في حلقةٍ من حلقات الساحة، وبين دخان المشاوي وإيقاع الطبول، جلس حكواتيٌّ عجوز يروي أغرب حكاية سمعها الناس: حكاية الحوسبة الكمّية.
مع غروب الشمس فوق صومعة الكتبية، رفع «با مْرًاكشْ» عصاه، فسكتت الحلقة. وضع على البساط أمامه درهمًا نحاسيًّا، وقال بصوته الأجشّ:
— يا سادة يا كرام، كان يا ما كان، في قديم الزمان وحديثه، حاسوبٌ لا يشبه حواسيبكم. اسمعوا حكايته، فإن فهمتموها فقد فهمتم ما يُحيّر علماء الدنيا اليوم.
الدرهم الذي لا يستقرّ
أمسك الدرهم بين أصابعه وقال:
— حواسيبكم التي في جيوبكم تفكّر بالدرهم الملقى على الأرض: إمّا وجهٌ وإمّا ظهر، إمّا صفرٌ وإمّا واحد. هذا ما يسمّيه أهل العلم «البِت».
ثم أدار الدرهم على البساط فظلّ يدور ويلمع، وقال:
— أمّا الحاسوب العجيب فيفكّر بالدرهم وهو يدور. ما دام يدور، فهو ليس وجهًا خالصًا ولا ظهرًا خالصًا، بل مزيجٌ منهما معًا بمقاديرَ معلومة. هذا هو «الكيوبت»، وهذه الحالة يسمّونها التراكب.
صاح شابٌّ من الحلقة: «إذن هو يجرّب كلّ الأجوبة في وقت واحد يا با مْرًاكشْ؟»
ابتسم العجوز وهزّ رأسه:
— ليس بهذه السهولة يا ولدي. لو كان الأمر كذلك لكفى أن ننظر فنجد الجواب. لكنّك متى أوقفت الدرهم لتنظر إليه، سقط على وجهٍ واحد فقط، وضاع المزيج. سرّ هذا الحاسوب أنّه يرتّب الدوران ترتيبًا حاذقًا، فتتلاشى الأجوبة الخاطئة كما تتلاشى الأصوات المتنافرة في الحلقة، وتعلو الأجوبة الصحيحة كما تعلو الأصوات المتّفقة في الإنشاد. فإذا نظرتَ في النهاية، كان الأرجح أن ترى الجواب الصحيح.
البلغتان التوأمان
أخرج الحكواتي من خُرجه زوجًا من البلاغي الصفراء، ووضع كلّ فردةٍ في صندوقٍ مغلق، وقال:
— هبوا أنّي بعثتُ صندوقًا إلى فاس وآخر إلى أكادير. من فتح صندوقه فوجد الفردة اليمنى، عرف في الحال أنّ صاحبه وجد اليسرى.
ضحك الناس: «وما العجب في هذا؟»
— العجب يا قوم أنّ البلغتين في حكايتي لم تكونا يمنى ويسرى قبل فتح الصندوق! كانتا كالدرهمين الدوّارين، مربوطتين برباطٍ خفيّ. فإذا فُتح صندوق فاس واستقرّت فردته، استقرّت فردة أكادير على ما يوافقها، مهما بعدت المسافة. هذا ما يسمّونه التشابك الكمّي.
ثم رفع إصبعه محذّرًا:
— لكن احفظوا عنّي هذا: هذا الرباط لا يحمل رسالةً أسرع من الضوء، فصاحب أكادير لا يعرف شيئًا حتى يكلّمه صاحب فاس بالطرق المعهودة. وإنّما ينفع في أمرٍ آخر: إذا حاول لصٌّ أن يتلصّص على الرباط، اضطرب واكتشفه أصحابه. ولهذا يبني به العلماء اتصالاتٍ يصعب جدًّا التنصّت عليها.
حاسوبٌ يرتجف من نَفَسٍ واحد
سأل شيخٌ يتّكئ على عكّازه: «فأين هو هذا الحاسوب؟ أنشتريه من سوق السمارين؟»
ضحك با مْرًاكشْ حتى بانت أسنانه:
— لا يا عمّي، ليس بعد. هذا المخلوق رقيقٌ رقّة الدرهم الدوّار: نفحةُ حرارة، أو اهتزازةٌ خفيفة، أو لمسةٌ من العالم الخارجي، تكفي لإسقاطه وإفساد حسابه. لذلك يحبسونه في برودةٍ أشدّ من برد الفضاء، ولا يزالون يتعلّمون كيف يصحّحون أخطاءه.
وما نفعه إذن؟
جمع الحكواتي أصابعه وعدّ:
— ليس هذا الحاسوب أسرع من حواسيبكم في كلّ شيء. لن يكتب رسائلكم أسرع، ولن يجعل هواتفكم أخفّ. لكنّه، متى اكتمل، قد يبرع في مسائل بعينها:
- أوّلها محاكاة الذرّات والجزيئات، فيُعين على صنع أدويةٍ ومواد جديدة.
- وثانيها الأسرار والشيفرات، فهو قد يفكّ بعض أقفال اليوم، ولهذا يصنع العلماء منذ الآن أقفالًا تصمد أمامه.
- وثالثها البحث عن أحسن الطرق بين ملايين الاحتمالات، كمن يبحث عن أقصر درب بين دروب المدينة القديمة كلّها.
خاتمة الحكاية
أعاد الدرهم إلى جيبه، والبلغتين إلى خُرجه، وقال:
— هذه حكاية لم تكتمل بعد يا سادة. بدأها العلماء في القرن الماضي، وما زالوا يكتبون فصولها في مختبراتهم. وقد يأتي يومٌ يحكيها فيه حكواتيٌّ آخر في هذه الساحة، فيقول: كان يا ما كان، حاسوبٌ يفكّر بالدرهم وهو يدور… فغيّر وجه الدنيا.
ثم مدّ طاقيته إلى الحلقة، وتعالت الطبول.
🔗 من شبكتنا
اقرأ أيضاً في نشرة مِرّاكش: تحولات صفة المعلم في موسيقى كناوة بين الطقس والمسرح، ومراكش والعالم القروي: علاقة معقدة نسجتها الصناعة التقليدية عبر القرون
وتعرّف على باقي منصات الشبكة العربية لمنصات المقالاتي.
المصدر : https://mrrakch.articlophile.net/mraksh/i/98430440...










