في درب ضيّق من دروب حيّ القصبة بمراكش، خلف باب خشبي أكلت الشمس لونه، عاش سي الطاهر الوزّاني. كتب أكثر من عشرين رواية تُقرأ من طنجة إلى الكويرة، ولم يُرَ قطّ واقفًا خلف طاولة يوقّع كتابًا أو يكتب إهداءً.
كان جيرانه يعرفونه رجلًا قصير القامة، يرتدي جلبابًا رماديًا في كل الفصول. يشتري خبزه من الفرّان نفسه منذ أربعين سنة، ويشرب شايه بالنعناع في مقهى صغير قرب باب أكناو. أما أن يكون هو نفسه «الطاهر الوزّاني» الذي تغيب صوره عن أغلفة الكتب، فذلك سرّ لم يعرفه إلا الفرّان، وكان الفرّان كتومًا كالفرن نفسه.
حين اتصل به ناشره من الدار البيضاء ليخبره بأن معرضًا للكتاب سيُقام في جليز، وأن قاعة كاملة حُجزت لحفل توقيع روايته الجديدة، أجابه بهدوء:
— يا أخي، الكتاب الذي يحتاج إلى توقيع صاحبه لم يكتمل بعد.
— لكن القرّاء يريدون رؤيتك يا سي الطاهر!
— القرّاء يرونني كل يوم. أنا في الصفحة الثالثة والأربعين، تحت الشجرة التي يجلس إليها البطل.
ثم أغلق الهاتف، وعاد إلى كأس الشاي كأن شيئًا لم يكن.
لكن الناشر كان عنيدًا، فأعلن عن الحفل في الجرائد والمواقع، ووضع على الملصق عبارة: «لأول مرة: الطاهر الوزّاني يلتقي قرّاءه». وصلت الأخبار إلى المقهى، فضحك صاحبه وقال بنكتة مراكشية خالصة:
— لأول مرة؟ لعلّه يقصد أول مرة يكذب فيها ناشر!
في يوم الحفل، امتلأت القاعة. جاء طلبة من جامعة القاضي عياض، وسيدات يحملن الروايات في أكياس بلاستيكية حفاظًا عليها، وشيخ من تامنصورت قطع الطريق ليطلب إهداءً لحفيدته. وُضع في صدر القاعة كرسي فارغ، وعلى الطاولة قلم فاخر لم يمسّه أحد.
مرّت ساعة، ثم ساعتان. بدأ الهمس، ثم التذمّر، ثم الضحك. وفي آخر الصف، كان رجل قصير في جلباب رمادي يقف بصبر، يحمل نسخة من الرواية الجديدة كأي قارئ آخر.
حين وصل دوره إلى الطاولة الفارغة، انحنى، وأخذ ورقة من دفتر الزوار، وكتب بخط مغربي دقيق:
إلى كل من جاء يطلب توقيعي: لا تبحثوا عن اسمي في الصفحة الأولى، فقد تركته هناك بلا قيمة. ابحثوا عن أنفسكم في الصفحات التي بكيتم عندها أو ضحكتم. ذلك هو الإهداء الوحيد الذي كتبته لكم، وقد كتبته قبل أن أعرفكم.
ولم يوقّع.
ثم خرج يمشي نحو ساحة جامع الفنا، والشمس تنحدر خلف صومعة الكتبية، الصومعة التي سُمّيت باسم باعة الكتب ولم يُطلب من أحدهم يومًا أن يوقّع عليها.
في الساحة، توقف عند حلقة حكواتيّ عجوز، يرتجل قصة عن رجل يبيع الظلال في سوق السمّارين. وقف سي الطاهر بين المتحلّقين، وابتسم حين أدرك أن الحكواتي يروي، بتصرّف وزيادات كثيرة، فصلًا من روايته الأولى. لم يذكر اسم المؤلف، ولم يسأله أحد عنه. صفّق الناس، ورموا الدراهم في الطاقية، وانصرفوا وفي عيونهم بريق من سمع حكاية تخصّه.
قال سي الطاهر في نفسه: «هذا هو التوقيع الحقيقي، حكاية تمشي على لسان غريب حتى ينسى الناس من كتبها».
في الأيام التالية، تناقلت المدينة حكاية الورقة المتروكة في دفتر الزوار. صوّرها الطلبة، وعلّقتها مكتبة صغيرة في باب دكالة على زجاجها. أما الشيخ القادم من تامنصورت، فقد وجد في صندوق بريده بعد أسبوع ظرفًا بلا اسم، فيه رسالة قصيرة إلى حفيدته:
«لا تنتظري توقيع أحد على حياتك. اكتبيها أنتِ، ثم اتركيها مفتوحة للآخرين».
وفي الأسفل، بدل التوقيع، غصنٌ يابس من النعناع.
ظلّ سي الطاهر يرفض حفلات التوقيع حتى آخر يوم في عمره. لكن المراكشيين صاروا يقولون، كلما رأوا كتابًا بلا إهداء في يد قارئ: «هذا كتاب وقّعه الوزّاني».
المصدر : https://mrrakch.articlophile.net/mraksh/i/98430185...










