Articlophile.xyz | Agrégateur d'Actualités et Articles de Qualité

حسن الترابي: المفكر الذي ابتلعته السلطة


Rédigé le الثلاثاء 19 مايو 2026 à 14:04 | Lu 0 commentaire(s)




يظل حسن عبد الله الترابي أحد أبرز المنظرين للإسلام السياسي في السودان والعالم العربي، رغم رحيله، إذ ترك إرثاً فكرياً وسياسياً متشعب الأبعاد ومثيراً للجدل. تراوحت مسيرته بين النظرية والتطبيق، وبين الاجتهاد الفقهي والمناورة السياسية، ما جعله شخصية استثنائية تستدعي الفحص والتأمل.



النشأة والتكوين الفكري

وُلد الترابي عام 1932 في مدينة كسلة لعائلة سودانية متصوفة، وكان والده قاضياً شرعياً كبيراً أسهم في تربيته الدينية المبكرة. تميز بحفظه لمتون الفقه في سن مبكرة، ودرس القانون في جامعات الخرطوم ولندن والسوربون، مما أكسبه خبرة واسعة في الفقه الإسلامي والقانون الأنجلوساكسوني واللاتيني. أصبح أول سوداني يتولى عمادة كلية الحقوق بجامعة الخرطوم، مما عزز مكانته الأكاديمية والفكرية.

الدخول في السياسة والمناورات

بدأ الترابي حياته السياسية بالانضمام إلى جبهة الميثاق الإسلامية، أحد فروع تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، وأصبح أميناً عاماً لها عام 1964. تميز بإدخال مفهوم العمل الجبهوي، الذي يجمع بين متصوفة وسلفيين ومثقفين، في الوقت الذي كانت حركة الإخوان تتجه نحو فكر سيد قطب والعزلة الشعورية.

صاهر الترابي عائلة المهدي الزعيمة لطائفة الأنصار عبر زواجه من أخت الصادق المهدي، رغم أن عائلته الكبيرة كانت من طائفة الختمية. دخل السجن ثلاث مرات في عهد جعفر النميري، لكنه قاد لاحقاً مصالحة الحركات الإسلامية مع النميري، وأصبح وزير عدل ثم مستشاراً لرئيس الدولة، وقاد إسلمة القوانين والدولة السودانية.

الانقلاب والطموح الإقليمي

قاد الترابي انقلاباً إسلامياً عام 1989 جاء بعمر البشير إلى السلطة، وخرجت طموحاته من المجال الضيق لوطنه نحو تزعم الحركات الإسلامية الإخوانية حول العالم. استضاف في السودان شخصيات متنوعة من الحركات الإسلامية، بما في ذلك أسامة بن لادن وعناصر من حزب الله اللبناني، ونظم المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي الذي ضم إسلاميين وقوميين على حد سواء.

كان الترابي يطمح إلى أن يصبح زعيم العالم السني، مقابل الخميني كزعيم للعالم الشيعي، ويسعى لإقامة نسق حضاري إسلامي في المنطقة الوسطى التي يعتبرها خصبة بالأفكار. لكن هذا الطموح اصطدم بواقع القوة الحضارية الغربية التي لم يقدرها جيداً.

الاجتهادات الفقهية والجدل

تميز الترابي بجرأة في طرح آراء فقهية أثارت جدلاً واسعاً، حتى داخل الحركة الإسلامية ذاتها. كتب رسالة عن المرأة عام 1975 دعا فيها إلى انفتاح كبير في مشاركة المرأة، وقدم محاضرة عن التجديد الفكري الديني ناقش فيها قضايا جوهرية تتعلق بالذكر والشعائر والخمار.

انتقد يوسف القرضاوي وعصام البشير بعض أطروحات الترابي، ووصفها البعض بأنها تبديد وليست تجديداً، وأنها تنقض مسلمات وتشكك في أصول. لكن الترابي كان يرى نفسه منطلقاً من أصول كلية في الفقه وتجديد أصوله، وإن لم يكتمل مشروعه بسبب انشغاله بالسياسة.

التناقضات والمواقف الإشكالية

رغم دعوته النظرية إلى الحريات وإنكاره لوجود الردة في الإسلام، دافع الترابي عن قرار إعدام محمود محمد طه المفكر السوداني في عهد النميري، في ظرف كان فيه الترابي حليفاً للنظام ويتم ترقيته لمساعد رئيس الجمهورية. هذا التناقض بين النظرية والتطبيق كان من أبرز سمات مسيرته السياسية.

بعد خروجه من السلطة إثر انقسامه مع البشير، تحرر الترابي كثيراً وعاد إلى أصول في آرائه، وأصبح أغلب حديثه عن الحريات، وأيد ذهاب البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية في سياق انتصاره لفكرة العدالة. لكن هذا التحول أثار تساؤلات حول مدى صدقيته أم أنه كان مجرد مناورة سياسية ضد خصومه في السلطة.

التقييم والإرث

يصفه البعض بأنه مفكر متفوق على معاصريه من الإسلاميين مثل القرضاوي والغنوشي، بفضل إمكاناته الشخصية والتزامه الصارم بما اعتقد. لكن النقد الأساسي الموجه إليه هو أنه لم ينتقل من التجديد إلى الحداثة، ولم يعتمد المناهج المتطورة في الدراسات القرآنية والأديان المقارنة.

ما أضر بإرث الترابي أكثر من أي شيء آخر هو تمكنه من السلطة عام 1989، وسجل الحكم الذي كان أباه الروحي في مجال حقوق الإنسان. فقد كانت أفكاره قبل الانقلاب تُنظر إليها كتقدمية ومستنيرة، لكن عقد الإنقاذ الأول شوه صورته بسبب ممارسات السلطة القمعية، ولم ينجح عقدا الخروج من السلطة في محو هذا الأثر.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96632581/hassan-tura...



Rss
Mobile