طلب جيف بيزوس ذات مرة من الناس تخيل العودة مئة عام والحديث مع مزارعين عن وظيفة "معالج تدليك"، ثم اكتشف أمراً أغرب: أطباء نفسيين للكلاب. يتكرر هذا النمط مع كل ثورة تكنولوجية؛ ننشغل بالوظائف التي ستُدمرها التكنولوجيا، لكننا نادراً ما ننتبه للوظائف التي ستخلقها لأنها لا تحمل أسماء بعد.
من الجرار إلى مدير وسائل تواصل اجتماعي
استطاع مزارع في 1920 أن يفهم كيف سيستبدل جرار عمالاً، لكنه لم يكن ليتخيل مهناً مثل مدير وسائل التواصل الاجتماعي، مطوّر تطبيقات، أو صانع محتوى على يوتيوب. كان عليه أن تحدث اختراعات كثيرة أولاً: الكهرباء، الحواسيب، الإنترنت، الهواتف الذكية، ثم الشبكات الاجتماعية. كل طبقة تكنولوجية فتحت أفقاً من المهن لم يكن متصوراً قبلها.
أثناء حديثه في 2018، قال بيزوس: "تخيلوا العودة قرناً وإخبار مزارع بأنه في 2018 ستكون هناك وظيفة تُسمى معالج تدليك. لن يصدق". ثم أضاف بعد أن أخبره صديق بأمر أغرب: "انسوا معالج التدليك، هناك أطباء نفسيون للكلاب. بحثت عن الأمر، وفعلاً يمكنك بسهولة توظيف طبيب نفسي لكلبك". ضحك الحضور، لكن النقطة كانت جدية: الوظائف الجديدة تبدو سخيفة حتى تُصبح عادية.
سبع مهن جديدة ستخلقها الذكاء الاصطناعي بحلول 2030
بينما يركز الجميع على الوظائف التي قد يستبدلها الذكاء الاصطناعي، لا أحد يرى بوضوح الصناعات والمهن بمليارات الدولارات الجالسة "على بُعد سبعة اختراعات". حدد الخبراء سبع مهن ناشئة ستخلقها الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، بينها مهندس الأوامر النصية (Prompt Engineer)، الذي يُشبه دوره ما كان عليه البرمجة بأيام الإنترنت الأولى. يمزج هذا الدور بين المنطق، اللغة، والإبداع، وبدأت شركات تقنية، قانونية، وتعليمية بتوظيف هؤلاء المهندسين.
تشمل الوظائف الأخرى مسؤول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، الذي يضمن العدالة والشفافية بأنظمة الذكاء الاصطناعي؛ تقني الرعاية الصحية المُعزز بالذكاء الاصطناعي، الذي يُشغل أنظمة تشخيصية وتصويرية متقدمة؛ محلل الاستدامة بالذكاء الاصطناعي، الذي يضمن استخدام الأنظمة بكفاءة طاقوية وتقليل انبعاثات؛ مدير إبداعي مُعزز بالذكاء الاصطناعي، يدمج الأدوات الذكية بسير العمل الإبداعي من الموضة للسينما؛ ومُربّي محو أمية الذكاء الاصطناعي، الذي يُدرّب الآخرين على استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية وأخلاقية.
التاريخ يُكرر نفسه: الثورة الصناعية خلقت وظائف أكثر مما أزالت
دراسة أشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يُلغي الوظائف فقط، بل سيخترع أخرى جديدة. تتوقع الدراسة أن الذكاء الاصطناعي سيخلق وظائف أكثر مما يُلغي، خاصة بالحقول التي تُستخدم فيها التكنولوجيا لتعزيز القدرات البشرية بدلاً من استبدالها. يشمل ذلك مهناً مثل مُصمم واجهات محادثة، الذي يخلق تجارب حوارية سلسة؛ متنبئ مستقبل الذكاء الاصطناعي، الذي يُحلل اتجاهات ناشئة ويُقدم استشارات استراتيجية؛ ومطوّر أتمتة العمليات الروبوتية، الذي يُصمم "روبوتات برمجية" لتبسيط سير العمل.
وظائف أخرى تشمل مدير أساطيل مركبات مستقلة، متخصص بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي، عالم معالجة لغة طبيعية، ومتخصص تعليم مُعزز بالذكاء الاصطناعي. تُبرز هذه الوظائف التأثير المتوسع للذكاء الاصطناعي عبر مجالات مختلفة. التاريخ يُظهر أن كل موجة تكنولوجية كبرى خلقت وظائف أكثر مما أزالت؛ الثورة الصناعية أزالت مهناً يدوية، لكنها خلقت ملايين الوظائف بمصانع، نقل، وخدمات. الإنترنت فعل الأمر ذاته.
الإنتاجية الهائلة قد تُؤدي لنقص عمالة لا بطالة
بحسب بيزوس في مقابلة حديثة مع CNBC، الذكاء الاصطناعي لن يستبدل الوظائف الماهرة مثل أخصائيي الأشعة أو مهندسي البرمجيات، بل سيرفع جميع هؤلاء الأفراد لمستوى أعلى. توقع أن تبني الذكاء الاصطناعي واسع النطاق سيُنتج إنتاجية اقتصادية هائلة قد تُؤدي لنقص بالعمالة، لا زيادة بالبطالة. أضاف أنه بعائلات ذات دخلين، قد يختار أحد الطرفين الخروج من سوق العمل طوعاً لأن الطرف الآخر سيُحقق إنتاجية كافية. توقع أيضاً انكماشاً بالأسعار؛ الطعام، الإسكان، والبناء ستصبح أرخص بفضل تحسينات الإنتاجية.
على المدى الطويل، يتوقع بيزوس أن تطبيق الذكاء الاصطناعي سيُقلص الأعمال الروتينية، تاركاً للبشر وقتاً أكبر للتركيز على الاستراتيجية، حل المشكلات، والإبداع. المستقبل لن يكون بين بشر وآلات، بل بين بشر يستخدمون الذكاء الاصطناعي وبشر لا يستخدمونه. الفجوة الحقيقية ستكون بالإنتاجية والقدرة التنافسية، ما يعني أن التعليم والتدريب على أدوات الذكاء الاصطناعي سيُصبحان حاسمين.
المستقبل يبدو سخيفاً قبل أن يُصبح عادياً
النقطة المحورية لبيزوس هي أن كل موجة تكنولوجية كبرى بالتاريخ واجهت مخاوف مماثلة، وكل مرة كانت الوظائف الجديدة المُخلقة تفوق بكثير الوظائف المُزالة. المشكلة أن الوظائف الجديدة لا تملك أسماء حتى الآن، ولا يمكن تخيلها لأن تحققها يتطلب اختراعات لم تحدث بعد. طبيب نفسي للكلاب كان سيبدو سخيفاً لمزارع في 1920، تماماً كما قد تبدو وظائف 2050 سخيفة لنا اليوم. المستقبل دائماً يبدو سخيفاً قبل أن يُصبح عادياً.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...

تحولات المدن الذكية في إفريقيا بين البحث والتطبيق
