المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

تزكية النفس في التصوف كمدخل لمعالجة الأزمة الأخلاقية في العصر الرقمي


الاثنين 14 سبتمبر 2026 à 20:05 |




تبحث دراسة للباحثة إيكا سيلفيا أريني، من جامعة والي سونجو الإسلامية الحكومية بسمارانج في إندونيسيا، والمنشورة في مجلة أبراهاميك لدراسة الأديان، في مفهوم تزكية النفس داخل التصوف بوصفه إطارا محتملا لمعالجة الأزمة الأخلاقية التي يعيشها الشباب في العصر الرقمي. وتتناول الدراسة تحديدا مظاهر من قبيل إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، والقلق من التفويت المعروف اختصارا بـ«فومو»، والخداع الإلكتروني، والتنمر عبر الإنترنت، باعتبارها تحديات تمس نزاهة الشباب الأخلاقية وتوازنهم الروحي.



وتقوم فكرة تزكية النفس، في الإطار الذي تتناوله الدراسة، على تطهير النفس وتهذيبها والارتقاء بها عبر المراجعة المستمرة للسلوك والرغبات. ولا تُقدَّم التزكية باعتبارها ممارسة فردية منفصلة عن الواقع، بل باعتبارها عملية ذات صلة مباشرة بتكوين الأخلاق الحسنة وبالعلاقات التي يقيمها الفرد داخل مجتمعه، بما في ذلك الفضاء الرقمي الذي بات جزءا من حياته اليومية.


وتعتمد الدراسة على تصور تراثي في التصوف يقسم مسار تزكية النفس إلى ثلاث مراحل متتالية: التخلي، ويأخذ هنا صورة نوع من «الصيام الرقمي» الهادف إلى التخلص من السلوكيات السلبية على الإنترنت؛ فالتحلي، القائم على تعزيز سلوكيات رقمية فاضلة كالتعاطف والصدق وحسن التعامل مع الآخرين افتراضيا؛ فالتجلي، الذي يوجه نحو تنمية وعي بالحضور الإلهي يواكب الفرد في كل نشاط رقمي يمارسه.


وتشير الدراسة إلى أن التصوف يمنح البعد الأخلاقي مكانة محورية، من خلال العناية بتربية النفس وتعزيز قيم مثل الصدق والصبر والتواضع والإخلاص وضبط الشهوات. وضمن هذا التصور، لا يقتصر الإصلاح الأخلاقي على الامتثال الخارجي للقواعد، بل يرتبط كذلك بتكوين وعي داخلي يراقب الدوافع ويوجه السلوك، سواء في الفضاء الواقعي أو في الفضاء الرقمي.


ويبرز مفهوم التزكية باعتباره طريقا تدريجيا يتطلب التزاما ومحاسبة ذاتية، إذ يرتبط إصلاح الأفعال بتصحيح المقاصد. ومن ثم، فإن بناء الأخلاق الكريمة لا يتحقق وفق هذا المنظور عبر المعرفة النظرية وحدها، بل عبر ممارسة مستمرة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين وبالقيم التي يعتمدها في حياته اليومية، بما فيها تعامله مع الشاشات ومنصات التواصل.


وتندرج هذه المقاربة ضمن اهتمام بحثي أوسع يربط بين تزكية النفس وتكوين الأخلاق الحميدة، مستفيدة من التراث الصوفي الكلاسيكي، وعلى رأسه أعمال الغزالي حول تهذيب النفس بوصفها منهجا للتربية الأخلاقية.


وتخلص الدراسة إلى أن هذا الإطار قابل للتطبيق عمليا من خلال أدوات ثلاث: المحاسبة الرقمية اليومية للنفس، وجماعات الذكر الافتراضية، والتربية الدينية القائمة على استخدام التقنية. وتعتبر أن هذه الأدوات تسهم في تعزيز الاستقامة الأخلاقية والسلامة الروحية والمتانة النفسية لدى الشباب في مواجهة تحديات العصر الرقمي.


وتخلص المقاربة التي تعرضها الدراسة إلى أن التصوف يمكن أن يوفر إطارا أخلاقيا وروحيا لمواجهة الأزمة المرتبطة بالعصر الرقمي، عبر جعل تزكية النفس أساسا للتربية الفردية داخل الفضاء الرقمي وخارجه. ويظل هذا الطرح قائما على وصل البعد الروحي بالفعل اليومي، بحيث يصبح تهذيب الفرد مدخلا لتعزيز مسؤوليته واحترامه للقيم، سواء في تفاعلاته الواقعية أو الافتراضية.




المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/97950984/...



Rss
Twitter
Newsletter