تظهر المعطيات المتعلقة بأنماط استهلاك الأخبار في عدد من الدول ذات الحضور الديني القوي أن العلاقة بين الجمهور ووسائل الإعلام تتخذ مسارات مغايرة لما هو قائم في البيئات الأقل ارتباطاً بالمعتقدات الدينية. وتشمل هذه الدول كلاً من نيجيريا والهند وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة والصين، حيث تكشف المؤشرات عن مستويات مرتفعة من الاهتمام بالمحتوى المرتبط بالإيمان، سواء من حيث المتابعة أو التفاعل أو التوقعات المهنية.
تشير الأرقام إلى أن ما يقارب نصف الجمهور في هذه الدول يتابع بشكل منتظم مصادر إعلامية تخصص حيزاً مهماً لتغطية الشأن الديني، وهو مستوى يتجاوز بوضوح المتوسط العالمي، ويبتعد أكثر عند المقارنة بالدول التي يتراجع فيها حضور الدين في المجال العام. هذا المعطى لا يقتصر على حجم المتابعة فقط، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة مع المحتوى، حيث يُنظر إلى الإعلام بوصفه قناة ضرورية لفهم التحولات الدينية والاجتماعية.
في هذا السياق، تتضح ملامح طلب مرتفع على جودة المحتوى، إذ تعبر نسبة واسعة من الجمهور عن حاجة واضحة إلى مواد إعلامية دقيقة ومتوازنة تتناول قضايا الإيمان بعمق. ولا يتوقف الأمر عند الجودة فقط، بل يشمل أيضاً التنوع، حيث يبرز توجه قوي نحو ضرورة تمثيل تعددية دينية وفكرية داخل التغطيات الإعلامية، بما يعكس واقع المجتمعات المركب وتعدد مرجعياتها.
هذا الطلب يفتح آفاقاً اقتصادية واضحة أمام المؤسسات الإعلامية، إذ تشير البيانات إلى استعداد ملحوظ لدى الجمهور للتفاعل مع المنصات التي تستثمر في تحسين تغطيتها الدينية، سواء عبر الاشتراك أو المتابعة المنتظمة أو التفاعل مع المحتوى. ويعني ذلك أن الاستثمار في هذا المجال لا يرتبط فقط بالبعد التحريري، بل يمتد إلى نماذج الأعمال والاستدامة المالية.
في المقابل، تُظهر المؤشرات أن الجمهور في هذه الدول يشعر بدرجة أقل من التوتر عند متابعة أو مناقشة القضايا الدينية عبر الإعلام، مقارنة بالجمهور في الدول ذات الطابع العلماني. ويعكس ذلك مستوى من التقبل أو الألفة مع حضور الدين في المجال العام، ما يقلل من الإحساس بالاستقطاب أو الانزعاج الذي قد يرافق هذه التغطيات في سياقات أخرى.
غير أن هذا المشهد لا يخلو من تعقيدات مهنية، حيث يواجه الصحفيون تحديات حقيقية عند تناول الموضوعات الدينية. فالحذر يظل سمة بارزة في العمل التحريري، ليس بسبب ضعف اهتمام الجمهور، بل نتيجة اعتبارات تتعلق بالحساسيات الاجتماعية والسياسية، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بالسلامة الشخصية أو المهنية. ويؤدي ذلك في كثير من الأحيان إلى تجنب الخوض في قضايا دقيقة أو مثيرة للنقاش، رغم وجود طلب واضح عليها.
في موازاة ذلك، يتزايد الاهتمام بمسألة تمثيل الأصوات داخل الخطاب الديني في الإعلام، حيث تطالب نسب مرتفعة من الجمهور بإتاحة مساحة أكبر للمتحدثات الرسميات، إلى جانب الدعوة إلى حضور أصوات تعبر عن تجارب معيشية مباشرة، بدلاً من الاقتصار على الخطاب المؤسسي التقليدي. ويشير هذا التوجه إلى تحول في توقعات الجمهور، الذي يسعى إلى محتوى أكثر قرباً من الواقع الاجتماعي وأقل ارتباطاً بالصياغات الرسمية.
تُظهر هذه المؤشرات مجتمعة أن العلاقة بين التدين والإعلام لا تقتصر على حجم الاستهلاك، بل تمتد إلى إعادة تشكيل المعايير المهنية والتجارية. فالجمهور في هذه الدول لا يكتفي بمتابعة المحتوى، بل يسهم في تحديد اتجاهاته، سواء عبر مطالبه بالجودة والتنوع، أو من خلال استعداده لدعم المنصات التي تستجيب لهذه التوقعات. وفي المقابل، تجد المؤسسات الإعلامية نفسها أمام معادلة دقيقة تجمع بين تلبية الطلب المتزايد، والتعامل مع بيئة تتطلب قدراً عالياً من الحذر.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/97280411/tadayun-med...

نتفليكس تختبر قنوات تلفزيونية مباشرة لتعزيز المشاهدة
