المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

تحقيق: معركة لا تنتهي ضد البعوض


الاربعاء 26 أغسطس 2026 à 18:17 |




لا يتجاوز وزن البعوضة وزن صورة فوتوغرافية لها، ومع ذلك فهي من بين أكثر الكائنات الحية فتكا على وجه الأرض، تباغتنا خصوصا في أمسيات الصيف الهادئة، وتلاحقنا حتى في أسرّتنا، فتحرمنا من النوم الهانئ في معركة ليلية خاسرة سلفا. لا يهاجم الإنسان سوى الأنثى من هذا الكائن، إذ يصدر طنين أجنحتها المتردد، الذي قد يبلغ نحو ستمائة إلى ألف خفقة في الثانية بحسب متحف التاريخ الطبيعي، قشعريرة تنذر بخطر لا يمكن تحديد مصدره غالبا إلا بعد فوات الأوان، لأنها حين تحط أخيرا على الجلد لتبدأ لسعتها، يخيّم الصمت من جديد.



تنشر البعوضة عندئذ ست إبر مجهرية من خرطومها بدقة تكاد تكون جراحية: اثنتان منها تشقّان البشرة، واثنتان أخريان تُبقيان الجرح مفتوحا، وخامسة تخرج من غمدها الواقي لتحفر وتمتص من ثلاثة إلى خمسة ملليغرامات من الدم، بينما تحقن السادسة في الوقت نفسه لعابا يحتوي على مادة مضادة لتخثر الدم لتسهيل العملية وتقليل احتمال شعور الضحية باللسعة قبل أن تسحقها. وبعد ثلاثة أيام، تعاود البعوضة الكرّة من جديد.


لا تبحث البعوضة عن الدم لإشباع نهمها، بل لتمكين بيضها من النمو، فالأمر بالنسبة إليها مسألة وظيفية بحتة، وإن كانت لها تفضيلاتها: يبدو أن فئة الدم "O"، والروائح الزهرية، ومن يزفرون كمية أكبر من ثاني أكسيد الكربون، ومن تفوح منهم رائحة الأقدام، أو ترتفع حرارة أجسامهم، أو يرتدون ملابس زاهية الألوان، أكثر جذبا لها. لكنها في النهاية مستعدة لاغتنام أي فرصة متاحة، وكلما حاولنا صدها، ازداد إقبالها علينا. ومن بين نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة نوع مسجل من البعوض، لا يلسع الإنسان سوى عُشرها تقريبا، وقلة قليلة منها فقط طوّرت ميلا حقيقيا نحو الإنسان جعلها تتطور تطورا خاصا لتحسين قدرتها على لسعنا.


في الأصل، كان كثير من هذه الأنواع التي تزعج نومنا اليوم وتهدد صحتنا كائنات غابات هادئة، تضع بيضها في برك المياه عند جذوع الأشجار، وتفضل دم الحيوانات البرية. لكن الإنسان بدأ يزيل الغابات ويبني ويوسّع المدن على نطاق واسع، فلم يجد البعوض بدا من إعادة كتابة إرثه الجيني وأذواقه من جديد. ولهذا يصعب اليوم صد البعوض بالضبط لأنه تحول عبر الزمن إلى كاشف لا يخطئ لوجود الإنسان: فجسده، من طرف قرنيه إلى أطراف أرجله، مغطى بمستشعرات تحلل باستمرار الإشارات الكيميائية التي نصدرها، حتى إن الباحثين حين عطّلوا نحو مئة جين مرتبط بحاسة الشم لدى البعوض، ظل هذا البعوض "المعدّل وراثيا" قادرا على إيجادنا ولسعنا.


لا غرابة في ذلك، كما توضح عالمة الأعصاب ليزلي فوشال من جامعة روكفلر بنيويورك، التي شاركت في هذه الأبحاث، مشبّهة الإنسان ومحيطه بمثابة "سوق مفتوحة" يجد فيها البعوض كل ما يلبي احتياجاته البيولوجية ويكمل دورة تكاثره، وهو ما يفسر إصراره على إيجادنا مهما فعلنا.


وللأسف، فإن الصورة العامة ليست مطمئنة على الإطلاق. ففي أفضل الأحوال، لا تكلّفنا هذه اللسعات المزعجة سوى ليلة بلا نوم وبعض الحكة، لكن بالنسبة لجزء كبير من البشرية تكون العواقب أشد خطورة بكثير، إذ يُعد البعوض، بفارق كبير، أخطر حيوان على الإنسان على وجه الأرض. فهذا الكائن الصغير مسؤول بشكل غير مباشر عن نحو مليون وفاة سنويا، وهو رقم يفوق بكثير ضحايا الثعابين والتماسيح والحشرات القاتلة وسائر المفترسات الأخرى مجتمعة. ولا يعود له هذا الموقع المشؤوم بفضل قوته الجسدية بالطبع، بل لأنه ناقل استثنائي لأمراض خطيرة كالملاريا وحمى الضنك والحمى الصفراء وفيروس زيكا وفيروس غرب النيل وحمى الشيكونغونيا.


لا عجب إذن أن تحمل البشرية منذ قرون كراهية عميقة لهذا "الحفّار المجنّح": ففي ألواح سومرية اكتُشفت في بلاد الرافدين، نُسبت نوبات الملاريا إلى الإله البابلي نيرغال، إله العالم السفلي، الذي صُوّر في هيئة حشرة تشبه البعوضة. وفي وقت أقرب، عُثر على آثار للملاريا في رفات بشرية يعود عمرها إلى آلاف السنين في مصر والنوبة، بما في ذلك مومياء الفرعون توت عنخ آمون، كما يروي المؤرخ الأمريكي تيموثي وينيغارد في كتابه اللافت "البعوضة: تاريخ إنساني لأخطر مفترس عرفته البشرية" الصادر عام 2019.


وقد تتبع وينيغارد في بحثه أبرز "بطولات" البعوض عبر التاريخ، من انقراض الديناصورات التي كانت أصلا، حسب رأيه، منهكة بأمراض تنقلها الحشرات حتى قبل اصطدام النيزك، وصولا إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية التي شكّلت حماماتها العامة، على ما يبدو، حواضن هائلة ليرقات البعوض. ويربط الكاتب أيضا بين البعوض وبين ولع الإنسان بالقهوة، التي تُعد طاردا فعالا له، وبمشروب الجن والتونيك الذي طالما اعتُبر علاجا ناجعا للملاريا، إذ يُحضّر ماء التونيك من لحاء شجرة الكينا. ومن معارك حاسمة إلى تحولات جيوسياسية، لا يتردد وينيغارد في وصف البعوض بأنه "أعظم سلاح بيولوجي دمار شامل أنتجته الطبيعة على الإطلاق".


وحتى علماء الحشرات، الذين يُفترض أنهم أقرب إلى الناطقين باسم هذا الكائن، لا يجادلون كثيرا في هذا الوصف. فحين غزت اليابان جزيرة جاوة في مارس 1942، سيطرت في الوقت نفسه على 95 بالمئة من الإنتاج العالمي للكينين، إذ كانت هذه الجزيرة قد شهدت تطورا كبيرا في زراعة أشجار الكينا. وبعد أشهر قليلة، أرسل الأمريكيون جنودهم للقتال في غابات جزر سليمان دون هذا الدواء الأساسي المضاد للملاريا، فسرعان ما بات اثنان من كل ثلاثة جنود طريحي الفراش بنوبات حمى، ما أخّر الهجوم الحلفاء تأخيرا كبيرا، أتاح للولايات المتحدة إتمام مشروع مانهاتن. ولولا البعوض الناقل للملاريا، ربما كانت الحرب ضد اليابان ستنتهي قبل أن يكون القنبلة الذرية جاهزة، وفق ما يرويه أحد أبرز علماء الحشرات الهولنديين المتخصصين في البعوض.


وحين نتحدث عن "البعوض" باعتباره ألد أعداء البشرية، فنحن في الحقيقة لا نعني سوى حفنة من الأنواع المسؤولة عن ملايين الضحايا، أبرزها نوعا "الأنوفيلة الغامبية" و"الأنوفيلة القاتلة" الناقلان لمرض الملاريا، وكذلك "الزاعجة المصرية" المشهورة المسؤولة عن معظم الأمراض الفيروسية الكبرى الأخرى، وهي بدورها قريبة من "بعوضة النمر" الآسيوية التي تواصل تقدمها نحو مناطق أخرى من العالم. وقد سجلت أوروبا العام الماضي عددا قياسيا من بؤر فيروس غرب النيل وحمى الشيكونغونيا، وكلاهما ينقلهما بعوض "الزاعجة"، إلا أن الملاريا تبقى الأخطر على الإطلاق، إذ تسببت في أفريقيا وحدها بنحو ستمائة ألف وفاة العام الماضي، أي بمعدل شخص واحد كل ثلاثين ثانية، وثلاثة أرباع الضحايا من الأطفال دون سن الخامسة.


أمام هذه المعطيات، يصعب ألا يراود الإنسان شعور برغبة في الانتقام من هذا الكائن، فلماذا لا نقرر ببساطة القضاء على البعوض من على وجه الأرض كلية؟ لكن العالم الهولندي، الذي نجا بنفسه من تسع نوبات ملاريا ويحارب البعوض في مختلف قارات العالم منذ عقود، يخفف من حدة هذا الطموح الاستئصالي، لا لأن البعوض ضروري للتوازنات البيئية، إذ يعتبر كثير من المختصين دوره كملقّح للنباتات وموقعه في السلسلة الغذائية متواضعين نسبيا، بل لأن الأمر يبدو ببساطة غير قابل للتحقيق: فلا توجد اليوم أي وسيلة تسمح بالقضاء على جميع أنواع البعوض دفعة واحدة.


ولم يكن الأمر لعدم المحاولة، فقد شهدت خمسينيات القرن الماضي حملات رش هائلة بمادة "الدي.دي.تي" حول العالم، وأثبتت الطريقة فعالية نسبية، لكن على حساب كارثة بيئية حقيقية، إذ لم تكن المبيدات تقتل البعوض فحسب، بل عددا كبيرا من الحشرات المفيدة أيضا، كاليعسوب والفراشات والخنافس. كما أثبت البعوض أنه تحفة تطورية بامتياز، إذ لم يستغرق سوى سبع سنوات فقط لتطوير مقاومة لمادة الدي.دي.تي، ما اضطر منظمة الصحة العالمية عام 1969 إلى التخلي عن طموحها بالقضاء الكلي على الملاريا، والاكتفاء منذ ذلك الحين بالحد من انتشارها.


وإذا كان القضاء على جميع أنواع البعوض يبدو بعيد المنال، فإن استهداف الأنواع القليلة المسؤولة عن الأمراض فقط يبدو معقّدا بالقدر نفسه، وهو تحديدا ما تسعى إليه اليوم بعض شركات التكنولوجيا الكبرى. فقد أعلنت مجموعة "ألفابت"، الشركة الأم لغوغل، الحرب على "الزاعجة المصرية"، إذ تربّي في المختبر عبر برنامج "ديباغ" ملايين الذكور من البعوض المصابة ببكتيريا "ولباخيا" الموجودة طبيعيا في نحو 60 بالمئة من أنواع الحشرات؛ وعندما تتزاوج هذه الذكور مع إناث غير مصابة في الطبيعة، تموت الأجنة قبل الفقس دائما. ولأن تزاوج بعوضتين تحملان بكتيريا "ولباخيا" قد ينتج نسلا قابلا للحياة، تستخدم غوغل الذكاء الاصطناعي وأنظمة آلية لفصل الذكور عن الإناث قبل إطلاقها في البيئة، بحيث لا يُطلَق سوى الذكور فقط.


أما بيل غيتس فاختار استراتيجية مختلفة، إذ بتمويل قدره 75 مليون دولار من مؤسسته الخيرية، بدأ اختبار أول أنواع البعوض المعدّل وراثيا في المختبرات، حيث يستخدم الباحثون أداة التحرير الجيني "كريسبر" وتقنيات أخرى من علم الأحياء الجزيئي لتعديل الشيفرة الوراثية للبعوض مباشرة، بحيث يصبح غير قادر على حمل طفيل الملاريا ولا نقله. ويؤكد العالم الهولندي أن المبدأ يعمل بالفعل في المختبر، وأصبح ممكنا تعديل البعوض بحيث لا يستطيع نشر بعض الأمراض، لكنه يستبعد أن تُستخدم هذه التقنية على نطاق واسع في المستقبل القريب، نظرا لتحفظات كثيرة لا تزال قائمة، أبرزها حذر الرأي العام حيال الكائنات المعدّلة وراثيا، وجهل العلماء أنفسهم بالعواقب المحتملة إذا انتقلت هذه الجينات إلى حشرات أخرى أو حتى أنواع أخرى.


ومنذ أكثر من عشرين عاما، يراهن هذا العالم على مقاربة أكثر بساطة وعملية: مصائد البعوض، التي تبث روائح اصطناعية تحاكي رائحة الإنسان لجذب الحشرات عن بعد واصطياد أعداد كبيرة منها. وحين يتجاوز عدد البعوض المُصطاد قدرته الطبيعية على التكاثر، ينهار عدد السكان من تلقاء نفسه. وقد نجح بهذه الطريقة في خفض أعداد البعوض بنسبة 95 بالمئة في أكثر من عشر جزر في المالديف دون استخدام قطرة واحدة من المبيدات، وهي طريقة، وإن لم تكن مثيرة بقدر تقنيات التحرير الجيني أو الذكاء الاصطناعي، إلا أنها أقل كلفة بكثير من بناء مصنع بملايين الدولارات، على حد تعبيره بابتسامة ساخرة. وفي عام 2006، نال هذا الباحث جائزة "إيغ نوبل" الساخرة، التي تكرّم سنويا أبحاثا علمية "تُضحك الناس أولا ثم تدفعهم إلى التفكير"، وذلك بعدما أثبت أن البعوض الناقل للملاريا ينجذب بالقدر نفسه إلى رائحة الأقدام المتعرقة وإلى بعض الأجبان القوية الرائحة من مقاطعته الهولندية.


ويرى هذا الباحث أن مكافحة الأمراض التي ينقلها البعوض لا يمكن أن تقوم على حل معجزة وحيد، بل يجب أن تستند إلى استراتيجية متكاملة تُدار على عدة جبهات في آن واحد: علاج المصابين، وتلقيح السكان متى أمكن ذلك، وحماية الفئات الأكثر عرضة عبر الناموسيات وتحسين نوعية المساكن، إضافة إلى مواصلة مكافحة البعوض نفسه. ويرى المختصون تحديدا أن التصرف السريع والحازم ضد "بعوضة النمر" الآسيوية بات ضرورة ملحّة، فهذه الحشرة الدخيلة تستفيد من الاحترار المناخي لتستوطن مناطق جديدة تدريجيا، وبدأت تنقل أمراضا لا نملك بعد وسائل فعالة حقا لمكافحتها.


وتكشف بيانات علمية حديثة حجم هذا التوسع: فبعوضة النمر الآسيوية، الناقلة لحمى الضنك والشيكونغونيا وفيروس زيكا، لم تكن موجودة سوى في مقاطعة فرنسية واحدة عام 2004، لتنتشر بحلول عام 2025 في 85 مقاطعة فرنسية. وبحسب دراسة نشرها معهد البحث من أجل التنمية الفرنسي في أغسطس الماضي، من المتوقع أن تمتد بعوضة النمر وحمى الضنك إلى كامل التراب الفرنسي خلال خمسين عاما بفعل الاحترار المناخي، باستثناء المناطق الجبلية. ويشير المعهد إلى أن هذا النوع من البعوض موجود حاليا في 30 من أصل 45 دولة أوروبية، وهو يتقدم نحو بلجيكا وألمانيا، بينما تسجل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وكرواتيا ارتفاعا في حالات الإصابة المحلية بالأمراض الفيروسية المنقولة بالحشرات.


ويبقى الهدف النهائي للبحث العلمي هو حل مشكلة صحية عامة كبرى، لا الإبادة الباردة لنوع حيواني كامل، حتى وإن كان اختفاؤه في نهاية المطاف قد يشكل "ضررا جانبيا" مرحّبا به بل ومدافَعا عنه أخلاقيا في نظر البعض. وفي عام 2016، انكب فريق خبراء تابع للأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب في الولايات المتحدة على هذه المسألة الشائكة، وضم عمدا باحثين ينحاز أغلبهم غريزيا إلى حماية الأنواع، لكنهم انتهوا بعد نقاشات مطولة إلى الاقتناع بوجود حجج قوية جدا تدعم استئصال بعض هذه الأنواع تحديدا، بحسب ما أوضحه أحد أخصائيي الأخلاقيات الحيوية المشاركين في الفريق. التحقيق الكامل، الذي أعدته صحيفة "دي مورخن" البلجيكية بالهولندية ونقلته مجلة كورييه انترناسيونال، متاح للمشتركين في الموقع الفرنسي.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97765295/t...



Rss
Twitter
Newsletter