Articlophile.xyz | Agrégateur d'Actualités et Articles de Qualité

النقوش الصخرية بالسمارة ذاكرة عميقة للصحراء


Rédigé le الخميس 18 يونيو 2026 à 15:55 | Lu 0 commentaire(s)



تشكل النقوش الصخرية والرسوم الصباغية المنتشرة في إقليم السمارة أحد أهم الأرشيفات المفتوحة لفهم التاريخ البشري في الصحراء المغربية، إذ تصفها تقارير السلطات المحلية والباحثين المختصين بأنها بمثابة متاحف طبيعية في الهواء الطلق تمتد على مساحات واسعة وتضم مئات الأشكال المحفورة أو المرسومة على الصخور منذ فترات تعود إلى العصور الحجرية. وترد السمارة ضمن قائمة أبرز الأقاليم المغربية الغنية بمواقع الفن الصخري، إلى جانب أقاليم أخرى في الجنوب، غير أن كثافة المواقع وتنوعها في هذا المجال الترابي يمنحها وضعا مميزا في خريطة التراث الأثري الوطني. ويضع هذا المخزون المنطقة في قلب اهتمام فرق البحث الأثري المغربية والدولية التي تدرس تطور التجمعات البشرية وأنماط استقرارها في الصحراء خلال فترات مناخية متغيرة.



تتوزع هذه النقوش في السمارة على عدد من المواقع التي توثق لتحولات طويلة الأمد في البيئة والموارد وأنشطة الإنسان، حيث تظهر في العديد منها تمثلات لحيوانات برية ذات أحجام كبيرة إلى جانب مشاهد صيد وحركة جماعية، ما يدعم فرضية أن المجال الصحراوي الحالي عرف في مراحل سابقة ظروفا مناخية أكثر رطوبة سمحت بانتشار غطاء نباتي وموارد مائية أوسع. وتوظف فرق البحث هذه الشواهد في الربط بين التحولات المناخية الكبرى في شمال إفريقيا ومسارات الهجرة البشرية جنوبا وشمالا، إذ تسمح مقارنة الأشكال والزخارف وتقنيات النحت أو الرسم بإعادة تركيب تسلسل زمني تقريبي للأطوار الحضارية التي تعاقبت على المنطقة. كما يتم استغلال هذه المعطيات في مقاربات متعددة التخصصات تجمع بين علم الآثار والجيولوجيا والدراسات المناخية القديمة لفهم الإيقاع الطويل لتغير البيئات في الحزام الصحراوي.

يقسم المتخصصون الفن الصخري في الإقليم إلى صنفين رئيسيين؛ الأول هو الرسوم الصباغية التي تعتمد مزيجا من الألوان والمواد المشتقة من المعادن أو العناصر العضوية، ويتم وضعها مباشرة على سطح الصخور في شكل طبقات لونية متفاوتة السمك، بينما يتجسد الصنف الثاني في النقوش الصخرية التي تعتمد على الحفر أو النحت المباشر بعمق مختلف داخل الحجر. ويسمح هذا التصنيف التقني بفهم تطور المهارات الحرفية والرمزية لدى المجموعات البشرية المتعاقبة، حيث توحي بعض الرسوم الأكثر تعقيدا بوجود تقاليد فنية مستقرة ورموز متفق عليها داخل هذه الجماعات. كما تساعد دراسة التآكل والطبقات الرسوبية التي تغطي أجزاء من النقوش في استنتاج الفارق الزمني بين المراحل المختلفة من الإنتاج الفني في نفس الموقع.

تقدم هذه المواقع التي تعتبرها المصالح المختصة سجلات مرئية لحياة ما قبل التاريخ في السمارة مادة أساسية لتوثيق أنماط الاستيطان والتنقل، إذ تشتمل على تمثلات بشرية وأدوات بدائية وعلامات هندسية يمكن قراءتها في ضوء المقارنات مع مواقع مشابهة في مناطق صحراوية أخرى في المغرب والجزائر وموريتانيا. وتعتمد بعض الأطروحات الجامعية وأعمال المسح الميداني التي أنجزت خلال العقود الأخيرة على هذه المقارنات من أجل تتبع امتداد فضاء ثقافي صحراوي مشترك اتخذ من واجهات الصخور حاملا بصريا لتبادل الرموز والمعاني. كما تنخرط مؤسسات وطنية مكلفة بالتراث في عملية جرد متواصل لهذه المواقع، مع محاولة إدماجها في برامج بحثية أوسع تتناول تاريخ الجنوب المغربي من زاوية أثرية وثقافية.

يحضر البعد الثقافي والهوياتي بقوة في مقاربة موضوع النقوش الصخرية بالسمارة، إذ تعتبر هذه الشواهد بالنسبة لعدد من الفاعلين المحليين امتدادا عميقا للحضور البشري في الصحراء المغربية، وعنصرا يدخل في تشكيل سرديات الانتماء للمجال وارتباط السكان المعاصرين بموروث ضارب في القدم. ويدفع هذا التصور نحو إدراج مواقع الفن الصخري ضمن العروض السياحية والثقافية التي تروج لها مؤسسات محلية ووطنية، خاصة مع تنامي الاهتمام العالمي بالمسارات السياحية المرتبطة بالتراث غير المادي والمواقع الأثرية المفتوحة. غير أن هذا التوجه يفرض في المقابل تحديات مرتبطة بحماية النقوش من التخريب والتآكل الطبيعي وضبط مسارات الزيارة بما ينسجم مع متطلبات البحث العلمي والمحافظة على التراث.

تسعى المصالح المختصة في الإقليم، وفق المعطيات المنشورة، إلى الموازنة بين التعريف بهذه المواقع وإتاحة الولوج المنظم إليها وبين ضرورة تقييد بعض الأنشطة التي قد تؤثر في سلامة النقوش، مثل المرور العشوائي للسيارات أو الكتابات الحديثة على الصخور. وتطرح هذه الإشكالات أسئلة عملية حول الأدوات القانونية والتقنية الأنسب لتأمين حماية طويلة الأمد لمواقع توجد في فضاءات مفتوحة وشاسعة، بما في ذلك إمكانية إنشاء مسارات محددة للزيارة ووضع لوحات تعريفية وتكثيف عمليات التوثيق الرقمي عالي الدقة تحسبا لأي تدهور مستقبلي. كما يجري التفكير في إدماج موضوع الفن الصخري في برامج التربية الثقافية الموجهة للسكان والناشئة، بهدف تعزيز وعي محلي بدوره العلمي والتاريخي ضمن التراث الوطني.

يتم أيضا استثمار هذه المواقع في مسارات التعاون العلمي بين الجامعات المغربية ومراكز بحث دولية مهتمة بتاريخ الصحراء الكبرى، حيث تسمح كثافة النقوش وتنوعها بإجراء دراسات مقارنة حول تطور الأشكال والرموز في مناطق متباعدة جغرافيا ولكنها متصلة تاريخيا عبر شبكات الهجرة والتبادل البشري. وتُستخدم صور الأقمار الصناعية والتصوير الجوي والمسوحات ثلاثية الأبعاد في توثيق عدد من المواقع التي يصعب الوصول إليها، ما يفتح المجال أمام بناء قواعد بيانات رقمية قابلة للتحديث المستمر تضم وصفا دقيقا للنقوش وموقعها الجغرافي وخصائصها التقنية. ويجعل هذا التراكم المعرفي من إقليم السمارة مختبرا ميدانيا مفضلا لدراسة تفاعل الإنسان مع البيئة الصحراوية في أزمنة سحيقة، مع إمكانية استثمار خلاصات هذه الأبحاث في مقاربات معاصرة مرتبطة بإدارة الموارد والمجالات الهشة.




المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/97...



Rss
Mobile