خلال السنوات الأخيرة، تحوّل العمل عن بُعد من ترتيب استثنائي فرضته جائحة 2020 إلى ممارسة مستقرة في قطاعات واسعة من الخدمات والاقتصاد الرقمي. في ألمانيا تحديداً، تُفيد تقارير اقتصادية بأن نحو ربع العاملين في قطاع الخدمات باتوا يؤدّون جزءاً من مهامهم بعيداً عن المكتب بشكل منتظم، وهو ما مهّد لظهور صيغة هجينة تُعرف بـ«workation» أو «العمل-العطلة»، حيث يواصل الموظف التزاماته المهنية من وجهة سياحية مؤقتة داخل الاتحاد الأوروبي أو خارجه. تتكاثر الشهادات الصحفية حول هذا النمط؛ أشخاص يحزمون حاسوباً محمولاً ويغادرون مدينة الإقامة لأسابيع متتالية، ساعين إلى التوفيق بين اجتماعات مرئية ومتطلبات إنتاجية من جهة، وحياة يومية في مدينة ساحلية أو عاصمة ثقافية جديدة من جهة أخرى.
على الصعيد المفاهيمي، أسهم تعميم أدوات التواصل السحابية واتصالات النطاق العريض في ترسيخ نموذج «الرحّال الرقمي»، وهو العامل القادر على أداء مهامه من أي موقع يتوفر فيه اتصال موثوق بالإنترنت، كما تُعرّفه موسوعة ويكيبيديا للنوماديسم الرقمي. وتشير بيانات منصة Nomads.com لعام 2025 إلى أن عدد الرحّالة الرقميين في العالم تجاوز 80 مليون شخص، بمتوسط دخل سنوي يقارب 124 ألف دولار، وإنفاق شهري في بلد الإقامة المؤقتة يتراوح بين ألف وثلاثة آلاف دولار. بالنسبة للاقتصادات المضيفة، يُمثّل هذا الإنفاق دخلاً مباشراً يُضاهي السياحة طويلة الأمد مع كلفة خدمات أدنى مما تستلزمه السياحة الجماهيرية التقليدية.
في مواجهة هذه الديناميكية، لجأت دول عدة إلى تأشيرات مخصوصة لاستقطاب الرحّالة الرقميين؛ فإسبانيا أطلقت تأشيرة للعمل عن بُعد تشترط إثبات دخل أدنى وعلاقة عمل مع جهة أجنبية، فيما كانت جزيرة موريشيوس سبّاقة في إفريقيا بتقديم «الفيزا بريميوم»، إقامة قابلة للتجديد لسنة كاملة مشروطة بمصادر دخل خارجية. غير أن التحليلات المتخصصة تُلفت إلى أن الاستفادة من هذه الأدوات القانونية تبقى مرتبطة إلى حد بعيد بقوة جواز السفر ومستوى الدخل، مما يُرسّخ لامساواة بنيوية داخل ظاهرة الرحّل الرقميين نفسها: بين من يُقبل على المغرب أو جنوب أوروبا «مُصدِّراً» دخله الأجنبي، ومن يضطر إلى ترك عاصمته الإفريقية بحثاً عن رواتب تحتفظ بقيمتها في زمن التضخم.
في هذا السياق، يبرز المغرب تدريجياً بوصفه مختبراً فعلياً لهذا النمط الجديد من التنقل المهني، بالرغم من غياب تأشيرة رسمية مخصصة للرحّالة الرقميين حتى الآن. سياسة الدخول السياحي المفتوحة التي تُتيح لمواطني أكثر من ستين دولة الإقامة حتى تسعين يوماً عند كل دخول، مقرونةً بغياب قيود صريحة على العمل عن بُعد لحساب جهات أجنبية، تجعل من الإقامة المؤقتة خياراً عملياً للعاملين المستقلين وموظفي شركات التكنولوجيا الأوروبية والأمريكية الساعين إلى تغيير البيئة مع الإبقاء على وتيرة العمل ذاتها. وعلى المستوى التشغيلي، باتت مراكش وطنجة وأكادير تضم شبكة من مساحات العمل المشترك وفضاءات الـ«كوليفينغ» الموجهة لهذه الفئة تحديداً، كما تصف ذلك أدلة مثل دليل Outsite للرحّالة الرقميين في مراكش.
ويتحدث تصنيف Resume.io لعام 2023 عن مراكش في المرتبة الثانية بين المدن الإفريقية الأكثر جاذبية للرحّالة الرقميين، خلف القاهرة وأمام نيروبي، فيما احتلت أكادير المرتبة السادسة في القائمة نفسها، مع أكثر من 4,400 منشور مرتبط بهاشتاغ #digitalnomad على إنستغرام لمراكش. أمام هذه الأرقام، تنفتح أمام المراسلين والمحررين المحليين جملة من أسئلة التحقيق: أثر هذا الحضور على سوق الإيجار في أحياء مثل الجليز أو حي الحبوس، تحولات الاستهلاك الحضري في المقاهي والمطاعم، وديناميكيات التقاطع بين ساكنة ثابتة وزوار عاملين عن بُعد.
بيد أن الشهادات الميدانية لمن اختبروا هذا النمط في المغرب أو مدن إفريقية أخرى ترسم صورة أكثر تعقيداً من السرديات الترويجية التي تملأ وسائل التواصل الاجتماعي. بعض المدونين يتحدثون عن تذبذب في الاتصال بالإنترنت، وصعوبة تحقيق التوازن بين إيقاع العمل الأوروبي أو الأمريكي وفوارق التوقيت، مع الضغط الإضافي للتكيّف المتواصل مع بيئات ثقافية متجددة. وتضيف تقارير تحليلية أن فئة من المهنيين الأفارقة تلجأ إلى التنقل بين عواصم القارة أو خارجها للعمل بدخل بعملة صعبة مع التمتع بكلفة معيشة أدنى، في استجابة براغماتية لتراجع العملات المحلية لا لاختيار الحرية أو المغامرة كما يُروَّج في الخطاب الإعلامي السائد.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96891110/-...

ابن برجان الإشبيلي: المعتبر الذي فتح أفق التفسير المقارن
