يعود فيلم «الشياطين» (The Devils) للمخرج البريطاني كين راسل إلى قاعات السينما في المملكة المتحدة وإيرلندا ابتداء من 30 أكتوبر 2026، في نسخته النهائية المرممة بدقة 4K، بعد أكثر من نصف قرن من الحذف والمنع. ويتولى توزيع الفيلم في البلدين معهد الفيلم البريطاني بالشراكة مع علامة «كلوكوورك» التابعة لشركة «وارنر براذرز»، بعد عرضه الأول في قسم «كلاسيكيات كان» خلال مايو الماضي، ثم أسبوع عرض حصري في الولايات المتحدة انطلق في 16 أكتوبر. وبهذه المناسبة، خصصت صحيفة «الغارديان» البريطانية مراجعة نقدية لهذا العمل الذي يتقاسم بطولته أوليفر ريد وفانيسا ريدغريف.
قضية لودان: قصة حقيقية من القرن السابع عشر
يستعيد الفيلم وقائع قضية «مسّ» راهبات مدينة لودان الفرنسية عام 1634، ويروي سقوط الكاهن أوربان غرانديي (أوليفر ريد)، رجل الدين الواسع الشعبية والمتحرر في سلوكه، الذي آلت إليه إدارة المدينة المحصنة بعد وفاة حاكمها، في مدينة يتعايش فيها الكاثوليك والبروتستانت. وتتهمه الأم الرئيسة لدير الراهبات الأورسوليات، الأخت جان دي زانج (فانيسا ريدغريف)، بسحرها وسحر راهباتها بعد أن يتحول تعلقها المكبوت به إلى غيرة. وتتلقف هذه الاتهامات السلطة المركزية ممثلة في الكاردينال ريشيليو ومبعوثه البارون دي لوباردومون، الساعيين إلى هدم أسوار المدينة، لتنتهي محاكمة صورية بإعدام غرانديي حرقا.
وكتب راسل السيناريو بنفسه، مستندا أساسا إلى كتاب «شياطين لودان» للكاتب ألدوس هكسلي الصادر عام 1952، وإلى مسرحية جون وايتينغ المقتبسة عنه، وكانت شركة «يونايتد آرتيستس» قد اقترحت المشروع عليه قبل أن تنسحب منه بعد قراءة السيناريو، لتتبناه «وارنر براذرز» إنتاجا وتوزيعا.
الدين والسلطة في قلب الحكاية
يقدم معهد الفيلم البريطاني العمل بوصفه ملحمة عن الهوس والفساد، تكشف تواطؤ الكنيسة والدولة عبر رؤية حادة للاضطهاد الديني والهستيريا الجماعية والفساد المؤسسي. أما راسل نفسه، فقد أكد أنه كان كاثوليكيا متدينا وواثقا من إيمانه وقت إنجاز الفيلم، وأنه لم يكن بصدد صنع عمل إباحي، بل عدّه فيلمه السياسي الوحيد، لأنه يتناول في نظره غسل الأدمغة واستيلاء الدولة على كل شيء.
فريق فني في أوج عطائه
إلى جانب أداء ريد وريدغريف، يجمع الفيلم أسماء بارزة في مجالاتها: مدير التصوير ديفيد واتكن، والمونتير مايكل برادسل، ومصممة الأزياء شيرلي راسل، والفنان التشكيلي ديريك جارمان الذي وقّع هنا أول تجربة له مصمما للديكور في السينما الروائية الطويلة. وقد شيّد جارمان مدينة لودان في استوديوهات «باينوود» قرب لندن، في أكبر ديكور خارجي تشهده تلك الاستوديوهات منذ فيلم «كليوباترا» (1963)، مستلهما أعمال معماريين ورسامين من التيار الكلاسيكي الجديد، مثل كلود نيكولا لودو وإتيان لويس بولي وجوفاني باتيستا بيرانيزي، والجدران البيضاء العارية في فيلم «آلام جان دارك» لكارل تيودور دراير. ووضع الموسيقى المؤلف البريطاني بيتر ماكسويل ديفيز، إلى جانب مقطوعات من موسيقى عصر النهضة.
نصف قرن من الحذف والمنع
أثار الجمع بين الموضوع الديني ومشاهد العنف والجنس الصريحة ردود فعل حادة لدى الرقابة منذ عرض الفيلم في يوليو 1971؛ فقد صُنّف للبالغين فقط في بريطانيا والولايات المتحدة، ومُنع في عدد من البلدان، وظل محظورا في فنلندا حتى عام 2001. وفي بريطانيا نفسها، منع 17 مجلسا محليا عرضه رغم إجازته من هيئة الرقابة. وكانت «وارنر» قد حذفت بنفسها، قبل عرضه على الرقباء، مشهدين كاملين، أشهرهما مشهد تدنّس فيه الراهبات تمثالا للمسيح.
وأدان الفاتيكان الفيلم وطالب بإلغاء عروضه في مهرجان البندقية، غير أن راسل نال عنه جائزة أفضل مخرج في المهرجان، وجائزة المجلس الوطني الأمريكي للنقد. أما النقاد، فقابله كثير منهم آنذاك بالرفض، حتى إن روجر إيبرت منحه صفرا من النجوم.
من أقبية «وارنر» إلى الشاشة الكبيرة
في عام 2002، عثر الناقد البريطاني مارك كيرمود على المقاطع المحذوفة في أرشيف «وارنر»، وعُرضت النسخة الكاملة لأول مرة في لندن خلال نوفمبر من ذلك العام. لكن الشركة ظلت لسنوات طويلة تمنع إصدارها، ما دفع المخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو إلى انتقادها علنا عام 2014. وتستند النسخة الجديدة، بحسب معهد الفيلم البريطاني، إلى مونتاج أعيد بناؤه عام 2004 بإشراف راسل والمونتير برادسل، بالتعاون مع كيرمود وبول جويس، فيما أُنجز الترميم انطلاقا من النيغاتيف الأصلي للفيلم، لتكون هذه المرة الأولى التي يُتاح فيها العمل رسميا للجمهور كما أراده مخرجه، الذي رحل عام 2011.
وفي الولايات المتحدة، حصلت النسخة المرممة على تصنيف للبالغين فقط (NC-17). كما يمهد هذا الإصدار لاستعادة شاملة لأعمال راسل يقيمها المعهد في صيف 2027 بمناسبة مئوية ميلاده، بينما يُعدّ ابنه المخرج روبِرت راسل (Rupert Russell) فيلما وثائقيا عن والده بعنوان «Mad Dad»، يعتمد على أرشيف العائلة غير المنشور.
بطاقة الفيلم
- العنوان الأصلي: The Devils (1971)، ويُعرض في نسخته المرممة بعنوان Ken Russell's The Devils
- الإخراج والسيناريو: كين راسل
- المصدر: كتاب «شياطين لودان» لألدوس هكسلي ومسرحية جون وايتينغ
- التمثيل: أوليفر ريد، فانيسا ريدغريف، دادلي ساتون، ماكس أدريان، جيما جونز، موراي ملفين، مايكل غوثارد
- التصوير: ديفيد واتكن
- المونتاج: مايكل برادسل
- تصميم الديكور: ديريك جارمان
- الموسيقى: بيتر ماكسويل ديفيز
- العرض الأول: يوليو 1971
- النسخة المرممة: «كلاسيكيات كان» في 14 مايو 2026، الولايات المتحدة ابتداء من 16 أكتوبر 2026، المملكة المتحدة وإيرلندا ابتداء من 30 أكتوبر 2026
اقرأ أيضا في «نور»
المصدر : https://nour.soubha.com/articles/i/98535574/al-sha...










