تتقدّم تجربة المغرب في الدبلوماسية الدينية والروحية، كما تجسدها مسيرة السفيرة رجاء الناجي مكّاوي، بوصفها أحد أبرز المسارات التي تحاول توظيف المرجعية الدينية في خدمة الحوار بين الأديان وتعزيز ثقافة التسامح على الساحة الدولية. قبل سنوات، تم تعيين هذه الجامعية المتخصصة في القانون والشريعة سفيرة للمملكة لدى الكرسي الرسولي في إشارة واضحة إلى رهان الدولة على ما تسميه الدبلوماسية الروحية. هذه الدبلوماسية تعني استخدام الرأسمال الديني والتاريخي للمغرب كأداة لبناء الجسور بدل تغذية الاستقطاب أو التوتر. ومن خلال حضورها المتواصل في الندوات والمحافل الدولية، سعت إلى بلورة خطاب يقوم على إبراز خصوصية التجربة المغربية في تنظيم الحقل الديني، وربطها بمقتضيات السلم الاجتماعي والتعايش بين المكونات الدينية والثقافية المختلفة.
في هذا الإطار، يُقدَّم ما يُعرف بـ«النموذج المغربي» للتديّن. هذا النموذج قائم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، ويعتبر قاعدة نظرية وعملية لمقاربة دينية تعطي الأولوية لنبذ الغلو والتطرف. كما يربط بين الأمن الروحي والاستقرار السياسي والاجتماعي داخل البلاد وخارجها. تأكد ذلك مداخلات السفيرة في لقاءات متعدّدة بروما وجنيف حول قضايا الحوار بين الأديان ومحاربة خطابات الكراهية. يرتبط هذا التصور، في خطابها، بمؤسسة إمارة المؤمنين التي تُعرض بوصفها إطارا مرجعيا ينظّم الشأن الديني ويضبط الفتوى ويحصّن المجال العام من توظيف النصوص الدينية في الصراع السياسي أو الطائفي. وبهذا المعنى، تُقدَّم الدبلوماسية الروحية امتدادا خارجيا لهذا التنظيم الداخلي. هذه الدبلوماسية تنقل مفرداته إلى فضاءات إقليمية ودولية تعيش توترات متنامية ذات خلفيات دينية أو هوياتية.
وقد أكّدت الناجي مكّاوي، في أكثر من مناسبة، أنّ هذه الدبلوماسية لم تعد خيارًا ثانويًا بل تحوّلت، في نظرها، إلى نوع من الواجب أمام عالم يمر بتحولات قيمية عميقة، ويتزايد فيه التداخل بين الديني والسياسي في مشاهد الصراع والنزاع. كما ورد في مداخلة لها خلال ندوة خُصصت للعلاقات بين المغرب والكرسي الرسولي في العاصمة الإيطالية قبل أعوام. في هذه المقاربة، تصبح أدوات «القوة الناعمة» المرتبطة بالموروث الديني والرمزي وسيلةً لمحاصرة النزعات المتطرفة، عبر الاستثمار في التعليم الديني، وتكوين الأئمة، وتعزيز ثقافة الحوار، وإبراز قصص عيش مشترك راسخة تاريخيًا في المجتمع المغربي بين مسلمين ويهود ومسيحيين. ويجد هذا الخطاب صداه في مبادرات رسمية مثل معاهد تكوين الأئمة واستقبال طلبة من بلدان إفريقية وأوروبية للاستفادة من التجربة المغربية في تأطير الحقل الديني.
هذا التصور يتقاطع مع المسار الخاص للعلاقات بين الرباط والكرسي الرسولي التي اكتسبت زخماً جديداً منذ زيارة البابا فرنسيس إلى المغرب عام 2019. حين تم توقيع “نداء القدس” الذي شدد على الطابع المتعدد الأديان للمدينة وضرورة حمايتها بوصفها فضاءً للتلاقي الروحي. وهو حدث يحضر بانتظام في خطاب السفيرة باعتباره مثالا على التقاء مرجعيتين دينيتين مختلفتين حول أولوية صون الكرامة الإنسانية وإعلاء منطق الحوار. كما تستند الناجي مكّاوي إلى محطات أخرى في هذه العلاقات، مثل المسار الطويل للاعتراف المتبادل والتعاون الثقافي والإنساني بين الجانبين، لتأكيد أن الدبلوماسية الروحية ليست مجرد شعار بل ثمرة تراكم تاريخي ومحطات عملية تراهن على بناء ثقة متبادلة. ومن خلال مشاركاتها في فعاليات دولية بجنيف حول التعايش الديني، قدّمت صورة عن هذا النموذج بوصفه “سداً أمام خطابات الكراهية والأفكار المتطرفة” اعتمادا على ما راكمه المغرب من سياسة مؤسساتية في إدارة التعدد الديني.
في المقابل، يحرص هذا الخطاب على الربط بين البعد الروحي وأسئلة التنمية والسلم. عبر التأكيد على أن الأمن الديني لا ينفصل عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ولا عن حاجات الشباب إلى أفق أوسع للاندماج والمشاركة. هنا تبرز محاولة توظيف المرجعية الدينية في خدمة مقاربات وقائية ضد التطرف، من خلال دعم التربية على التسامح وفتح مجالات للتعبير الديني المتوازن ضمن فضاء عمومي منظم. كما تحضر الأبعاد الجيوسياسية في هذا التصور، حيث تُطرح الدبلوماسية الروحية أداةً إضافية في مقاربة ملفات إقليمية مثل الأزمات في بعض مناطق إفريقيا أو الشرق الأوسط. عبر الإسهام في جهود الوساطة وتشجيع الحوار بين الأطراف المتنازعة، مستندة إلى صورة المغرب كبلد يسعى إلى الجمع بين الانتماء الإسلامي والانفتاح على محيطه المتوسطي والإفريقي والأوروبي.
في هذا المسار، تواصل رجاء الناجي مكّاوي تقديم تجربتها في التقاطع بين البحث الأكاديمي والممارسة الدبلوماسية. تحاول بلورة خطاب متماسك يربط بين المرجعية الشرعية ومقتضيات القانون الدولي وحقوق الإنسان، من دون الدخول في سجالات أيديولوجية مباشرة. ومن خلال حضورها في الإعلام وحوارات صحفية مع منابر مغربية وفرنكوفونية، تُسجَّل محاولة لتقديم الدبلوماسية الروحية في صورة مسار استراتيجي طموح أكثر من كونها رد فعل ظرفي على أزمات معينة. تستدعي متكررا خصوصية الهوية الدينية المغربية، وتوظفها في تقديم البلاد شريكا قادرا على الإسهام في الإجابة عن أسئلة التعايش الديني والاندماج الثقافي في الفضاءين الأوروبي والمتوسطي على حد سواء.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95721585/alsfyr-rgaa...

عيد “مهافيرا جايانتي” في الذاكرة الدينية الهندية وزمن التقويمات المعاصرة
