Articlophile.xyz | Agrégateur d'Actualités et Articles de Qualité

الرهان الجزائري على الدين الخارجي: براغماتية جديدة أم مناورة ظرفية؟


Rédigé le الاثنين 30 مارس 2026 à 23:44 | Lu 0 commentaire(s)



تدخل الجزائر مرحلة مالية مختلفة مع قبولها، على نحو متزايد، اللجوء إلى قروض خارجية لتمويل مشاريع تعتبرها إستراتيجية، في قطيعة جزئية مع عقيدة «صفر دين خارجي» التي سادت منذ تسوية مديونيتها في منتصف العقد الأول من الألفية. فمشروع خط السكة الحديدية الرابط بين الأغواط وغرداية وإل منيع، بطول يقارب 495 كيلومترًا، يمثّل نموذجًا لهذه المقاربة الجديدة؛ إذ حصل على موافقة البنك الإفريقي للتنمية لتمويل مرحلته الأولى بقرض يناهز 747 مليون يورو، في إطار حزمة تمويل تتجاوز 3 مليارات دولار أعلن عنها الرئيس عبد المجيد تبون مطلع 2026.



هذا المشروع، الذي يشكّل الجزء الأول من المحور الحديدي الجزائري ـ تمنراست المتجه نحو عمق الجنوب والصحراء والساحل، يرتبط مباشرة بطموح تحويل منطقة إل منيع إلى قطب زراعي ضخم يعتمد على استغلال احتياطيات مائية جوفية قادرة نظريًا على ري مئات آلاف الهكتارات من المحاصيل. فهو يجسّد أولوية معلنة قوامها تعبئة التمويل الخارجي حصريًا للمشاريع التي يمكن تصنيفها ضمن «البنية التحتية السيادية» ذات الأثر التنموي طويل المدى، لا لتمويل العجز الجاري أو الإنفاق الاستهلاكي، بما يسمح للسلطات بالقول إن اللجوء إلى الاقتراض لا يناقض مبدأ الحفاظ على الاستقلال الاقتصادي.

الحساسية الجزائرية حيال الدين الخارجي تعود إلى صدمة نهاية ثمانينيات القرن الماضي وما أعقبها من عقد تَرافق فيه برنامج التكييف الهيكلي مع أزمة اجتماعية عميقة وعنف سياسي واسع، قبل أن تعمد الدولة إلى تسديد ديونها لصندوق النقد الدولي ونادي باريس مبكرًا بعد تحسن أسعار النفط في سنوات الألفين. ومنذ ذلك الحين، شكّل انخفاض مستوى المديونية الخارجية إلى حدود متدنية جدًا جزءًا من السردية الرسمية حول السيادة المالية؛ إذ تبقى نسبة الدين الخارجي إلى الناتج الداخلي الإجمالي في حدود دنيا مقارنة بمتوسط دولي أعلى بكثير، مستفيدًة من هيمنة قطاع المحروقات على الصادرات بنحو 90% من قيمتها. هذه الخلفية تغذي خطابًا سياسيًا يربط بين الاقتراض الخارجي والاصطفاف الجيوسياسي، ويقدّم الابتعاد عن المؤسسات المالية التقليدية كضمانة لبقاء هامش المناورة الدبلوماسية في ملفات مثل فلسطين والصحراء الغربية.

التحول الراهن لا يُقرأ فقط من زاوية اتفاقات مع البنك الإفريقي للتنمية، بل أيضًا من خلال انفتاح انتقائي على ما يسمى «التمويل البديل». فمع مصادقة مجموعة بريكس على انضمام الجزائر إلى بنك التنمية الجديد في سبتمبر 2024، باتت الجزائر عضوًا في مؤسسة تُقدَّم كخيار موازٍ لصندوق النقد والبنك الدوليين، مع محفظة تمويلية تجاوزت 40 مليار دولار منذ إنشاء البنك في مشاريع الطاقة والنقل والبنى التحتية. هذا الانخراط يمنح الجزائر منفذًا إضافيًا إلى موارد تمويل خارج الدوائر الغربية التقليدية، ويعزّز خطابًا رسميًا يعتبر أن الاقتراض من مؤسسات ناشئة أو إقليمية لا يحمل القدر نفسه من «الوصاية» السياسية أو الاشتراطات العقائدية التي ارتبطت في الذاكرة الجمعية ببرامج التكييف الهيكلي في التسعينيات.

مع ذلك، يبقى هذا الانفتاح محكومًا بمعطيات اقتصادية ضاغطة؛ فاعتماد الاقتصاد على المحروقات يجعل المالية العمومية رهينة لتقلبات أسعار النفط والغاز، في وقت تشير تقديرات حديثة إلى أن الهيدروكربورات تمثّل قرابة 40% من الناتج و90% من الصادرات ونحو ثلث الموارد الجبائية. ومع اقتراب أسعار برميل برنت من عتبة 60 دولارًا في فترات من بداية 2025، تراجعت احتياطيات الصرف إلى نحو 40 مليار يورو في خريف 2025 بعد أن كانت تقارب 58 مليارًا قبل عام واحد فقط، ما ضيّق هامش تمويل المشاريع الكبرى من الموارد الذاتية وحدها. في هذا السياق، يبدو الالتجاء إلى قروض ميسّرة موجّهة للبنية التحتية بمثابة أداة اضطرارية لتفادي تأجيل الاستثمارات أو تقليصها.

في الوقت نفسه، تسعى السلطات إلى إسناد هذا التوجه المالي بإصلاحات تستهدف تنويع القاعدة الإنتاجية وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. فمنذ دخول قانون الاستثمار الجديد حيز التنفيذ في 2022 وإنشاء الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، سُجّل إيداع أكثر من 12 ألف مشروع استثماري إلى غاية مطلع 2025، من بينها مئات المشاريع ذات مساهمة أجنبية، بقيمة إجمالية تعادل عشرات المليارات من الدولارات، مع ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي من قرابة 255 مليون دولار في 2022 إلى ما يفوق مليار دولار بعد عامين. كما جرى تخفيف قاعدة 51/49 الشهيرة في أغلب القطاعات، مع الإبقاء عليها في مجالات تعدّها الدولة إستراتيجية على غرار المحروقات والتعدين والدفاع وبعض أنشطة الاستيراد والتصنيع، في محاولة للتوفيق بين جذب الرساميل وحفظ السيطرة الوطنية على القطاعات الحساسة.

ضمن هذه المعادلة، يُقدَّم الدين الخارجي الموجّه لمشاريع مثل محاور السكك الحديدية جنوبًا أو استغلال مناجم الحديد في مناطق كـ«غار جبيلات» باعتباره دينًا «منتِجًا» يُفترض أن يسهم في خلق قيمة مضافة وفي تخفيض كلفة النقل وتعزيز ربط المناطق الداخلية بالموانئ والأسواق، ومن ثَم تعزيز قدرة الاقتصاد على تمويل نفسه مستقبلًا. غير أن وتيرة الإنجاز، وثبات بيئة الإصلاحات (من محاربة البيروقراطية إلى مراجعة نظام سعر الصرف)، ستظل العنصر الحاسم في تحديد ما إذا كان هذا الانفتاح المقنّن على الاقتراض يمثل بداية تحوّل بنيوي في نموذج تمويل التنمية في الجزائر، أم مجرد استجابة ظرفية لمرحلة تراجع في الإيرادات الطاقوية تُدار بأقل قدر ممكن من التنازل عن المبادئ المعلنة للاستقلال الاقتصادي

المصدر




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/95718038/a...



Rss
Mobile