يرصد مقال نشرته مجلة وايرد نقاشاً متصاعداً داخل الأوساط الطبية بشأن حدود اعتماد الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بعد دراسة حديثة خلصت إلى أن الأنظمة المستقلة قد تتجاوز، خلال سنوات قليلة، أداء الأطباء البشر وكذلك النماذج التي تجمع بين الطبيب والآلة في عدد من المهام السريرية الأساسية. وتثير هذه الخلاصة اعتراضات من ممثلي الأطباء، الذين يشددون على أن التقنية لا ينبغي أن تعمل خارج إشراف طبي مباشر.
الدراسة، التي نُشرت في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية، شارك في إعدادها الطبيب والباحث في أخلاقيات الطب والسياسات الصحية بجامعة بنسلفانيا إيزيكيل إيمانويل، إلى جانب المستثمر فينود خوسلا وآخرين. واعتمد الباحثون مراجعة للأدبيات المنشورة حول الذكاء الاصطناعي في الطب منذ مطلع عام 2024، وانتهوا إلى أن هذا المجال يقترب من مرحلة قد يصبح فيها الذكاء الاصطناعي وحده أكثر قدرة على تقديم أفضل مستوى من الرعاية في خمس مهام: جمع التاريخ المرضي، والتشخيص، وتحديد الفحوص المطلوبة، ووصف العلاج، ومتابعة الأمراض المزمنة.
وتذهب الدراسة إلى أن تدخل الأطباء في بعض الحالات قد لا يحسن أداء الأنظمة الذكية، بل قد يحد منه. كما تتوقع أن تتفوق نماذج الذكاء الاصطناعي المستقلة على الأطباء الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 في عدد كبير من السيناريوهات الطبية. غير أن أصحابها أقروا بأن هذا المسار يثير القلق، حتى إن بدت احتمالاته مرجحة وفق قراءتهم للبحوث المتاحة.
ويشير المقال إلى أن إيمانويل لم يكن مقتنعاً سابقاً بقدرة الذكاء الاصطناعي على الاضطلاع بوظائف طبية جوهرية. فقد ظل لسنوات يرفض تقديرات خوسلا التي توقعت أن تتولى الأنظمة الذكية الجزء الأكبر من عمل الأطباء بحلول عام 2035، قبل أن يعيد النظر في موقفه مع التطور السريع للأدوات التوليدية وقدراتها في تحليل المعلومات الطبية. وشملت الدراسة مشاركة نيل خوسلا، رئيس شركة كوري هيلث، التي تقدم خدمات رعاية صحية عبر الإنترنت وتعتمد الذكاء الاصطناعي مع وجود أطباء لوصف الأدوية والتعامل مع الحالات الأكثر تعقيداً. وقد أفصح البحث عن تضارب المصالح المتصل بالاستثمارات والتمويلات والمهام الاستشارية ذات الصلة.
في المقابل، انتقد جون وايت، الرئيس التنفيذي للجمعية الطبية الأمريكية، منهج الدراسة ونتائجها. ولفت إلى أن جانباً من الدراسات التي استندت إليها يقوم على محاكاة لا على تجارب سريرية محكمة، كما أن بعض الأدلة لا يدعم الاستنتاج القائل بتفوق الذكاء الاصطناعي المستقل. واستند إلى بحث منشور في مجلة نيتشر خلال فبراير 2026 أظهر أن كثيراً من المرضى يواجهون صعوبة في التفاعل بفاعلية مع نماذج اللغة الكبيرة للحصول على الفائدة التي تعد بها هذه الأنظمة. وتمسكت الجمعية بأن استخدام الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يندرج ضمن خطة علاجية يشرف عليها طبيب.
أما روبرت واتشر، رئيس قسم الطب في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو، فيقر بأن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة مهمة، وأن الجمع بين الإنسان والآلة يحقق حالياً نتائج أفضل. لكنه يرى أن هذا التوازن ليس ثابتاً بالضرورة، لأن الأطباء قد يرتكبون أخطاء في بعض المواقف، فيما تتقدم قدرات الأنظمة الذكية بسرعة. ومع ذلك، يؤكد أن دور الطبيب لا يقتصر على الوصول إلى تشخيص أو اقتراح علاج، بل يشمل التواصل مع المرضى، وشرح التوقعات الصعبة، وتقديم توجيه إنساني يتصل بالظروف الشخصية لكل حالة.
ويبرز المقال قلقاً آخر يتعلق بالتعليم الطبي. فاعتماد الأطباء المتدربين على الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات المرضية وإجراء الفحص السريري قد يؤدي إلى تراجع الخبرات الأساسية لديهم. وتطرح كليات الطب وبرامج الإقامة أسئلة حول كيفية إدماج هذه الأدوات من دون إضعاف مهارات التشخيص والملاحظة والحكم السريري. وفي الوقت نفسه، يصبح تجاهل أداة قادرة على تحسين القرارات الطبية موضع تساؤل مهني.
ويرى فينود خوسلا أن حاجة القطاع إلى الأطباء ستستمر في الجراحة والرعاية العاجلة على الأقل في المدى القريب، لكنه يعتبر أن المعرفة السريرية والحكم التشخيصي قد يفقدان كثيراً من مركزيتهما. أما القيمة المستقبلية للطبيب، وفق النقاش الذي يعرضه المقال، فقد ترتبط أكثر بالتعاطف، والقدرة على الشرح، وبناء الثقة، وترجمة توصيات الذكاء الاصطناعي إلى قرارات مفهومة ومناسبة للمريض.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...










