تقدَّم الحالة المغربية اليوم، في أدبيات العلاقات الدولية والدراسات الدينية، كنموذج متكامل لدبلوماسية دينية تُصاغ كسياسة دولة وليست مجرد مبادرات ظرفية. هناك توجيه رئيسي نحو إفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا، ما يجعل أثرها في موازين القوى الإقليمية أكثر قابلية للرصد من أغلب الحالات العربية الأخرى. يستند هذا النموذج إلى تحويل رصيد تاريخي من المرجعيات الفقهية والصوفية والمؤسساتية إلى رأسمال رمزي قابل للتحويل إلى نفوذ جيواستراتيجي في الفضاءين الإفريقي والمتوسطي. هذا ضمن سباق أوسع على القوة الناعمة الدينية تشارك فيه السعودية وتركيا وقطر وإيران.
المرتكز المؤسسي لهذا النموذج يقوم على ثلاثية المذهب المالكي، العقيدة الأشعرية، والتصوف الجنيدي، تحت سقف إمارة المؤمنين. هذا يسمح للرباط بتعريف «إسلام وسطي مغربي» يتم تسويقه خارجياً بوصفه بديلاً عن السلفية الوهابية والإسلاموية الحركية، ومصدراً لاستقرار سياسي وأمني في بيئات مضطربة. هذا التموضع يتيح للمغرب التمايز عن دول الخليج الغنية بالنفط التي تعتمد على المال أو عن إيران ذات الخطاب الثوري، عبر إبراز «شرعية تراثية» متجذرة في تاريخ الزوايا والعلاقات العلمية والصوفية العابرة للحدود.
على مستوى الأدوات العملية، يبرز معهد محمد السادس لتكوين الأئمة بالرباط كرافعة مركزية. إذ يستقبل سنوياً مئات الطلبة الأئمة من دول إفريقية وأحياناً أوروبية، ضمن برامج تمويلها جزئياً سيادي، بهدف تعميم المنهاج المالكي–الأشعري–الصوفي وتوحيد المرجعية الدينية حول النموذج المغربي. بالتوازي، تُشكّل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة شبكة فوق–وطنية تفوق ثلاثين بلداً إفريقياً. تنخرط في بناء المساجد، وتكوين الأئمة، وتنظيم مواسم دينية مشتركة، بما يخلق بنية مؤسساتية عابرة للحدود تعيد ربط الحقول الدينية الإفريقية بالمركز المغربي.
إلى جانب ذلك، يُعاد استثمار الرأسمال الصوفي، خصوصاً عبر الطريقة التجانية المرتبطة تاريخياً بفاس. يتم ذلك من خلال تنظيم زيارات، وخطوط جوية للحج الروحي إلى الأضرحة والزاويا، وطقوس مشتركة مع مجتمعات غرب إفريقيا، بما يضفي عمقاً روحياً وعاطفياً على العلاقات السياسية والاقتصادية. هذا البعد الروحي يسمح للمغرب بتقديم نفسه ليس فقط كفاعل دولتي، بل أيضاً كـ«مرجع روحي» لشرائح من النخب الدينية والشعبية في الساحل وغرب إفريقيا، في تنافس مع روافد سلفية وخطابات تبشيرية أخرى.
في إفريقيا جنوب الصحراء، تُدرج الدبلوماسية الدينية ضمن «حزمة» متكاملة تجمع الاتفاقات الدينية (تكوين أئمة، إرسال بعثات وعظية، بناء مساجد) مع عقود اقتصادية في مجالات المصارف والفوسفاط والطاقة المتجددة، إضافة إلى تعاون أمني في مكافحة الإرهاب. هذا التزاوج بين الروحي والاقتصادي والأمني يعزز صورة المغرب كقائد ديني–سياسي في الفضاء الساحلي، ويفضي عملياً إلى مواقف داعمة للرباط في ملفات سيادية مثل الصحراء، وإلى مستوى أعلى من التنسيق الاستخباري والعسكري ضد الجماعات الجهادية.
في ميزان القوة بين الفاعلين الإسلاميين أن المغرب يخوض منافسة هادئة مع الرياض وأنقرة تحديداً على المرجعية السنية في إفريقيا والفضاء الفرنكفوني الأوروبي، مستفيداً من صورة نموذج يُعتبر أقل تسييساً وأكثر التصاقاً بالتقاليد المحلية للزوايا والأسواق القديمة. بينما يستند المشروع السعودي تاريخياً إلى نشر السلفية الوهابية بتمويل كثيف، ويتبنى المشروع التركي في لحظته الراهنة خطاباً أكثر حركية دفاعاً عن «الهوية الإسلامية»، يسعى المغرب إلى احتلال موقع «الإسلام التقليدي المعتدل» المدعوم بسلسلة نسب دينية–ملكية وموروث فقهي وصوفي.
في العلاقة مع أوروبا والفضاءات الفرنكفونية، تستغل الرباط حاجة دول مثل فرنسا وبلجيكا وإسبانيا إلى «شركاء أمنيين–دينيين» لإدارة ملف الجاليات المسلمة. ذلك يتم عبر اتفاقات رسمية لتكوين الأئمة، وإرسال وفود دينية تحت إشراف الدولة. هذه الشراكات تُترجم إلى رأسمال تفاوضي إضافي للمغرب في الملفات المرتبطة بالهجرة ومراقبة الحدود والتعاون الأمني، حيث يُقدَّم «الإسلام المغربي» كضامن للأمن الروحي وكمكبح للتطرف في الضفة الشمالية للمتوسط.
على المستوى الأوسع للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تندرج هذه السياسة في تحول أوسع نحو «الدبلوماسية القائمة على الإيمان». تشير أدبيات العلاقات الدولية إلى انتقال الدين من عائق محتمل أمام التسوية إلى مورد تستثمره الدول والفاعلون الدينيون في الوساطة، والمصالحة، وترميم النسيج الاجتماعي بعد النزاعات. غير أن هذه الدبلوماسية الدينية تبقى مزدوجة الوجه؛ فهي أداة للتقريب ونزع فتيل الأزمات من جهة، وأداة لتكريس الاستقطاب عندما تُستخدم لتأطير الصراعات في ثنائيات مذهبية أو هوياتية تخدم حسابات النفوذ الإقليمي من جهة أخرى. كما يظهر في حالات اليمن وسوريا والتنافس السعودي–الإيراني.
حالة قطر ودول الخليج كثيراً كمختبر موازٍ. إذ تُبيّن دراسات حول «الدبلوماسية القائمة على الأديان» في الدوحة كيف تم دمج منتديات الحوار بين الأديان والمؤتمرات الأمريكية–الإسلامية ومراكز الدراسات في استراتيجية خارجية تهدف في آن واحد إلى بناء صورة وسيط دولي وإلى تقديم سردية «الإسلام الحقيقي/المعتدل» في مواجهة الخطابات المتطرفة. في المقابل، تُظهر أبحاث حول القوة الناعمة في الخليج أن السعودية والإمارات، مثلاً، تعيد صياغة المرجعية الدينية وخطابها الرسمي بما يخدم أولويات الأمن والنظام، مع أثر مباشر على شبكات العلماء، وخرائط الولاء، وتمويل الحركات الدينية عبر المنطقة.
تشير دراسات حديثة إلى أن الدبلوماسية الدينية المغربية تقف عند «منعطف» في هذا السياق التنافسي. فالمنافسة المتزايدة من نماذج خليجية وتركية، إلى جانب تصاعد النزعات السلفية والجهادية محلياً في إفريقيا، يدفع الرباط إلى تحديث خطابها وأدواتها إن أرادت الحفاظ على موقعها. في الوقت نفسه، يشتد النقاش الأكاديمي حول مستوى تسييس «النموذج المغربي» ومدى تأثير توظيفه المكثف في خدمة قضايا سيادية وتجارية، مثل ملف الصحراء والأسواق الإفريقية، على قدرته المستقبلية على التأثير الأخلاقي والثقافي بوصفه مرجعية روحية لا مجرد أداة سياسة خارجية.
تبدو الدبلوماسية الدينية المغربية، بهذه الحصيلة، أكثر من مجرد تحسين لصورة البلاد؛ فهي تساهم في إعادة رسم دوائر النفوذ والتحالفات في إفريقيا والفضاء المتوسطي، عبر توظيف منظم لمؤسسة إمارة المؤمنين، والتكوين الديني، والرأسمال الصوفي في إطار تنافس أوسع على القوة الناعمة الدينية في المنطقة. لكن استدامة هذا النفوذ ستتوقف على قدرة الرباط على الموازنة بين منطق «الرسالة الروحية» ومنطق «المصلحة السيادية»، في بيئة إقليمية تتزايد فيها عروض «الإسلام المعتدل» وتشتد فيها مراقبة الرأي العام والنخب البحثية لآثار تسييس الدين في العلاقات الدولية.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96921012/aldyn-kslah...

جيف بيزوس يُعيد تعريف تهديد الذكاء الاصطناعي للوظائف
