Articlophile.xyz | Agrégateur d'Actualités et Articles de Qualité

الداخلة بين صعود سياحي ورهانات جيوسياسية جديدة


Rédigé le الاثنين 8 يونيو 2026 à 13:11 | Lu 0 commentaire(s)



تشكل الداخلة، المدينة الواقعة على لسان رملي ضيق بين الأطلسي والصحراء في أقصى جنوب المغرب، نموذجاً لتحول سريع من نقطة نائية لصيادي السمك وممارسي رياضات الرياح إلى واجهة موضوعة في صلب استراتيجيات السياحة والاستثمار على المستوى الوطني والقاري. تمتد شبه الجزيرة على مسافة تقارب أربعين كيلومتراً في البحر، مع خليج محمي ورياح منتظمة ومناخ معتدل على مدار العام، ما يمنحها ملامح مختلفة عن الوجهات الحضرية المألوفة في الشمال.



خلال عقد ونصف تقريباً، انتقلت الداخلة من موقع هامشي إلى واحدة من أكثر الوجهات طلباً لدى هواة الكايت سورف ورياضات الانزلاق، مستفيدة من مزيج نادر من المياه الهادئة داخل الخليج والأمواج الأطلسية المفتوحة على الواجهة الخارجية. هذا الرصيد الطبيعي جعل المدينة حاضرة في منصات السفر الدولية وتقارير صحفية تقدمها باعتبارها فضاءً ملائماً للسياحة الرياضية والبيئية بعيداً عن المسارات الكلاسيكية للمغرب السياحي.

على المستوى الاقتصادي، اعتمد المغرب منذ 2016 "النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية" الذي خصص حافظة استثمارية تناهز 22 مليار درهم لبرامج مهيكلة في جهة الداخلة وادي الذهب، تشمل البنيات التحتية والطاقات المتجددة والسياحة والخدمات. تشير معطيات منشورة من مجلس الجهة إلى أن أكثر من 17 مليار درهم ضُخت في مئة مشروع تقريباً منذ 2015، ضمنها 12,3 مليار درهم لبرنامج تنمية مدمج يمتد بين 2016 و2021. في قطاع السياحة وحده، يتحدث مسؤولون عن تعبئة تفوق مليار درهم لتحسين العرض الفندقي والمسارات السياحية، في انسجام مع الرؤية الرسمية لجهة يعتبرها الفاعلون "واجهة للأطلسي الأفريقي".

يعكس أداء المؤشرات الماكرو اقتصادية لهذا الإقليم حجم التحول الجاري؛ فبحسب أرقام منشورة عن المندوبية السامية للتخطيط، وصلت حصة الفرد من الناتج الداخلي الخام في جهة الداخلة وادي الذهب سنة 2022 إلى نحو 84 ألفاً و69 درهماً، أي أكثر من ضعف المتوسط الوطني البالغ 35 ألفاً و104 دراهم. وتُسند هذه الدينامية إلى تراكم الاستثمارات في الصيد البحري وتثمين المنتجات البحرية، وإلى توسع الأنشطة الفندقية والخدماتية المرتبطة بالرياضيين والسياح القادمين من أوروبا وأمريكا الشمالية وأجزاء من أفريقيا.

في السياحة المنظمة، تظهر بيانات رسمية أن الجهة استقبلت في 2024 أكثر من مئة ألف وافد، مع حوالي 350 ألف ليلة مبيت، أي زيادة تفوق 147% في عدد الوافدين مقارنة بسنة 2019، فيما ارتفعت الطاقة الإيوائية إلى أكثر من ثلاثة آلاف سرير بزيادة تناهز 73% خلال الفترة نفسها. هذا النمو يرافقه خطاب مؤسساتي يربط مستقبل الداخلة بسياحة "مستدامة" تقوم على الرياضات البحرية والمشهد الصحراوي، مع تركيز أقل على نماذج المنتجعات الكثيفة الشائعة في مناطق أخرى.

غير أن العنصر الأكثر حضوراً في السردية الراهنة حول المدينة يتمثل في مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، وهو ميناء أعالي البحار قيد الإنجاز على بعد نحو أربعين كيلومتراً شمال المدينة، بميزانية تناهز 12,5 مليار درهم، ضمن رؤية وطنية لموانئ 2030. يتكون المشروع من ثلاثة أحواض مخصصة للتجارة والصيد البحري وإصلاح السفن، إضافة إلى جسر بحري بطول 1,2 كيلومتر وطريق ربط بطول سبعة كيلومترات، مع منطقة صناعية ولوجستية متاخمة ومساحات موجهة للصناعات البحرية. وحسب بيانات حديثة، تجاوزت نسبة تقدم الأشغال 53% في مطلع 2026، مع برمجة دخول الميناء حيز الخدمة في أفق 2028، ما يجعل منه محوراً أساسياً في النقاش حول الممرات الأطلسية الجديدة نحو غرب أفريقيا والساحل.

توازي الاستثمارات المينائية توسعاً في المشاريع الخاصة؛ فالمركز الجهوي للاستثمار في الداخلة وادي الذهب أعلن الموافقة على 118 مشروعاً سنة 2024 بقيمة تفوق ملياري درهم، تشمل السياحة والصناعات الغذائية والخدمات واللوجستيك. بالتوازي، صودق وطنياً على ثلاثة مشاريع كبرى في الجهة وحدها بحجم استثماري يناهز 149 مليار درهم، ما يعزز صورة المنطقة كنقطة تجاذب لرؤوس الأموال المغربية والأجنبية في مجالات الصيد وتربية الأحياء المائية والفلاحة الصحراوية والطاقات المتجددة، خاصة الرياح والهيدروجين الأخضر.

التحول الاقتصادي ترافق أيضاً مع بعد دبلوماسي؛ فمنذ مطلع 2020 توالت افتتاحات قنصليات دول أفريقية عدة في المدينة، من بينها غامبيا وغينيا وليبيريا وجيبوتي وبوركينا فاسو وغينيا بيساو، في إطار سياسة مغربية تعتبر أن ترسيخ حضور بعثات أجنبية في الجهة يدعم خياراتها في ملف الصحراء. وفي 2022 أفادت وزارة الخارجية بأن عدد القنصليات العامة في الأقاليم الجنوبية بلغ 27، منها 15 في الداخلة و12 في العيون، ما يعكس تموضع المدينة كمحطة دبلوماسية إقليمية إلى جانب دورها الاقتصادي.

في المقابل، تواصل تقارير صحفية دولية وأبحاث أكاديمية توصيف الداخلة باعتبارها جزءاً من الصحراء الغربية، المصنفة كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي لدى الأمم المتحدة، مع التأكيد على أنها تحت إدارة مغربية منذ أواخر السبعينيات. وتربط بعض هذه المواد بين وتيرة الأوراش في المدينة والاستراتيجية المغربية لإظهار نموذج تنموي ناجح في الإقليم المتنازع عليه، في حين تتناول أخرى أسئلة الاستدامة الاجتماعية، من توزيع منافع المشاريع على السكان المحليين إلى آثار ارتفاع تكاليف المعيشة والهجرة الداخلية.

على المستوى المجالي، تدعم مشاريع أخرى هذه الصورة المركبة للمدينة؛ فطريق تيزنيت–الداخلة السريعة باتت واقعا على معظم المسار، مع تحسين الربط البري نحو باقي المحاور الوطنية، كما يجري تطوير محطات لتحلية مياه البحر والصرف الصحي لخدمة المناطق الصناعية والضيعات الزراعية ومشاريع الطاقة. وتُطرح داخل النقاش المحلي أسئلة حول كيفية إدارة هذا التوسع العمراني المتسارع، وحول قدرة الخدمات الأساسية والسكن والنقل على مواكبة التحول من بلدة ساحلية صغيرة إلى مركز حضري موجه للتجارة العابرة والسياحة الدولية في آن واحد.




المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/96...



Rss
Mobile