يطرح عالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت في كتابه الأحدث "الجيل القلق" نقاشاً جوهرياً حول الأزمة النفسية التي تواجه الشباب المعاصرين، مرجعاً أسبابها إلى عاملين متداخلين هما الطفولة القائمة على الهواتف الذكية والإفراط في الحماية الوالدية. هذا الكتاب الذي تصدر قائمة نيويورك تايمز للأكثر مبيعاً أصبح محوراً لنقاشات ثقافية وأكاديمية واسعة النطاق، كما أشعل جدلاً حاداً حول الحلول المقترحة.
المحاور الرئيسية
يستند هايدت في تحليله إلى سنوات من البحث النفسي والاجتماعي، مشيراً إلى أن انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي في أوائل العقد الماضي أطلق أزمة صحة نفسية حادة بين الأطفال والمراهقين. هذه الظاهرة، التي يسميها "إعادة التوصيل الكبرى"، أثرت بشكل جذري على النمو الاجتماعي والعاطفي والمعرفي لجيل كامل من الشباب، وهو ما دفع المؤلف لتقديم توصيات عملية لعكس هذا المسار المقلق.
المحور الأول الذي يناقشه الكتاب هو تراجع الطفولة القائمة على اللعب، والذي بدأ في الثمانينيات وتسارع خلال التسعينيات. فقد انطلق العديد من الآباء في الدول الأنجلوسكسونية في تقليص وصول أطفالهم إلى اللعب الحر غير المراقب في الهواء الطلق، مدفوعين بمخاوف حول سلامتهم غذتها وسائل الإعلام، رغم أن العالم الواقعي كان يزداد أماناً خلال تلك الفترة. حرمان الأطفال من اللعب الحر والإشراف الدائم من الكبار أفقدهم ما يحتاجونه للتغلب على المخاوف والقلق الطبيعي للطفولة.
صعود الطفولة الرقمية
المحور الثاني الذي يركز عليه هايدت هو صعود الطفولة المرتكزة على الهواتف، والذي بدأ في أواخر العقد الأول من الألفية وتسارع في أوائل العقد الثاني. تزامنت هذه الفترة بدقة مع استبدال المراهقين لهواتفهم القابلة للطي بهواتف ذكية محملة بمنصات التواصل الاجتماعي، والمدعومة بإنترنت فائق السرعة وخطط بيانات غير محدودة. هذا التحول من الأنشطة القائمة على اللعب النشط في الهواء الطلق إلى الأنشطة السلبية القائمة على الشاشات أدى إلى انخفاض النشاط البدني والتفاعل الاجتماعي المباشر.
بحوث جامعة جورجيا عززت النتائج التي توصل إليها هايدت، فقد أظهرت دراستان أن وجود الهواتف المحمولة يمكن أن يخلف تأثيراً سلبياً على العلاقات الأسرية والصحة النفسية للشباب. وجد الباحثون أنه بحلول سن الحادية عشرة، كان استخدام الأطفال للشاشات مرتبطاً بمزيد من الصراعات الأسرية، واستمر هذا الاتجاه طوال سنوات المراهقة. الأطفال الذين حصلوا على هواتف ذكية في سن مبكرة كانوا أقل احتمالاً للكشف عن مشكلاتهم العاطفية لآبائهم، مما ضعف قدرة الوالدين على اكتشاف أعراض القلق أو الاكتئاب.
حركة عالمية
بناءً على هذه الأبحاث، انطلقت حركة دولية تدعو إلى تقييد استخدام الهواتف المحمولة في المدارس والعائلات. يدعو هايدت جميع المعنيين إلى مطالبة الحكومات المحلية والفيدرالية بتطبيق تغييرات مثل رفع سن "البلوغ الرقمي" القانوني من 13 إلى 16 عاماً. كما يقدم توصيات عملية للآباء، أبرزها جعل المدارس خالية من الهواتف، وتشجيع الأطفال على القيام بأنشطة جديدة بمفردهم، سواء كانت بسيطة مثل إعداد وجبة أو تسلق شجرة أو المشي مع الكلب.
رغم الجدل المحيط بهذه التوصيات، يواصل الكتاب التأثير في السياسات التعليمية والأسرية حول العالم. تشير منصة "طفولة خالية من الهواتف الذكية" إلى أن هذا العمل يقدم أدلة دامغة على أن أزمة الصحة النفسية للشباب المعاصرين تجد جذورها في الإفراط في التعرض للتكنولوجيا. وبينما قد يكون من غير الواقعي تجنب شراء هاتف ذكي تماماً، ينصح الباحثون بتأخير منح الأطفال ملكية الهواتف الذكية حتى يكبروا، أو وضع حدود زمنية على استخدام الشاشة، مع إعطاء الأولوية للتفاعلات وجهاً لوجه داخل الأسرة.
التأثير الاجتماعي
دراسات حديثة كشفت أن الاستخدام الأكثر تكراراً للهواتف الذكية من قبل الوالدين يرتبط بتجارب أكثر تكراراً للغضب والحزن لدى الأطفال. هذا يوسع النقاش من كونه مجرد قضية تتعلق باستخدام الأطفال للتكنولوجيا، ليشمل الأنماط الأسرية الشاملة للتفاعل مع الأجهزة الرقمية. يقول هايدت إن مستوى التعلق بهذه الأجهزة هو ما يدفعه للقول إن الجهاز الحاسوبي لا يرتبط فقط بأزمة الصحة النفسية للشباب، بل يقودها.
الحوار الذي سجل ضمن برنامج عضوية TED يتناول أسئلة أساسية حول ما إذا كان تقييد الهواتف المحمولة هو المسار الصحيح للأمام، وإذا كان كذلك، فكيف يمكن تحويل شيء راسخ اجتماعياً بهذا الشكل. هذا النقاش الحي بين المذيعة إليز وهايدت وأعضاء TED يمثل استكشافاً عميقاً لهذه القضايا المعقدة التي تتطلب تضافر جهود العائلات والمدارس والمجتمعات للتصدي لها بفعالية.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96820423/a...

إدمان التمرين الرياضي: حين يتحول السعي للّياقة إلى قيد خفي
