يتناول الباحث مصطفى البريول، الأستاذ بجامعة مولاي إسماعيل في مكناس، في بحثه المعنون «الفكر الصوفي ببلاد المغرب الأقصى خلال القرون الإسلامية المبكرة: قراءة أخرى في الأصول والمرجعيات وعوامل النشأة»، مرحلة مبكرة من تاريخ التصوف المغربي ظلت، بحسب الدراسة، أقل حضورا في الكتابات التي اهتمت غالبا بالأعلام والطرق الصوفية منذ القرن السادس الهجري. ويضع البحث هذه المرحلة ضمن تاريخ المغرب الديني والروحي والثقافي والاجتماعي والسياسي، سعيا إلى تتبع مسارات تشكل الفكر الصوفي وأصوله ومصادره.
وينطلق البريول من النقاش الواسع حول أصول التصوف الإسلامي، بين أطروحات تربطه بمصادر خارج الإسلام وأخرى ترده إلى القرآن والسنة وما يتصل بهما من قيم الزهد والتقوى والورع ومراقبة النفس. ويرجح الباحث أن التصوف في المغرب الأقصى تبلور في مرجعية إسلامية سنية، مع تأثره، في سياق تطوره، بحركة التواصل العلمي والروحي بين المغرب ومحيطه الإسلامي. ويعرض في هذا السياق نقدا للمقاربات الاستشراقية ذات الخلفيات الاستعمارية التي فسرت التصوف المغربي باعتباره امتدادا لمعتقدات أمازيغية سابقة على الإسلام أو لممارسات وثنية محلية.
وبحسب الدراسة، فإن هذه المقاربات اعتمدت على حضور ظاهرة الأولياء والصلحاء في المدن والبوادي لتفسير التصوف من خارج أصوله الإسلامية. غير أن البريول يرى أن هذا التفسير يتجاهل اتصال التصوف المغربي بالقرآن والسنة وبالمرجعية الجنيدية، كما يغفل الحضور القوي للفقه والحديث والتفسير في تكوين عدد من رجالات التصوف بالمغرب. ويشير إلى أن هذه السمة ساعدت على منح التجربة المغربية طابعا يميل إلى الزهد والبساطة والنزعة العلمية، بعيدا عن بعض الميول الفلسفية والباطنية التي عرفتها تيارات صوفية في فضاءات أخرى.
ويرصد بحث «الفكر الصوفي ببلاد المغرب الأقصى خلال القرون الإسلامية المبكرة» ثلاث مرجعيات رئيسية أسهمت في تشكل هذا المسار. تتمثل الأولى في المرجعية المشرقية التي انتقلت عبر الرحلات العلمية والدينية، وعبر قدوم زهاد وعلماء من المشرق إلى بلاد المغرب. وقد حملت هذه الصلات أسانيد ومعارف ومؤلفات، وربطت بعض المتصوفة المغاربة بشيوخ من مصر والشام والعراق والحجاز، فضلا عن إدخال أسانيد مرتبطة بأبي حامد الغزالي والسهروردي إلى فاس وغيرها من الحواضر المغربية.
أما المرجعية الإفريقية، فتتصل بالحركة العلمية والروحية بين القيروان والمغرب الأقصى. ويورد الباحث أمثلة لعلماء وزهاد من إفريقية استقروا في أغمات ومناطق مغربية أخرى، كما يشير إلى رحلات مغاربة نحو القيروان لطلب العلم. ويعد هذا التواصل عاملا مؤثرا في انتقال عدد من الممارسات والمراجع من مرحلة الزهد إلى مسارات أكثر انتظاما في التربية الصوفية، خاصة مع تداول كتب تدعو إلى محاسبة النفس ومراقبتها.
ويفرد البريول مساحة للمرجعية الأندلسية، بالنظر إلى الصلات التي ربطت ضفتي المغرب والأندلس منذ الفتح الإسلامي. فقد ساعدت الرحلات والتنقلات وتبادل العلماء والزهاد على انتقال تأثيرات زهدية وصوفية بين الجانبين، كما دخلت كتب التصوف إلى المغرب عبر هذه القنوات. ومن بين المؤلفات التي يرصد البحث حضورها «الرعاية» للحارث المحاسبي، و«قوت القلوب» لأبي طالب المكي، و«إحياء علوم الدين» للغزالي، و«الرسالة القشيرية»، بوصفها مصادر أسهمت في تشكيل المرجعية الفكرية والتربوية للتصوف المغربي.
ولا يقف الباحث عند التأثيرات الوافدة، بل يبحث في الشروط الداخلية التي ساعدت على انتشار التصوف. فقد سبقت التجربة الصوفية حركة زهدية ارتبطت ببدايات الفتح الإسلامي وبنشاط الفقهاء والقراء والزهاد. كما أدت المساجد والرباطات أدوارا في احتضان العبادة والتعليم والاعتكاف، ثم أصبحت بعض هذه الفضاءات مقصدا للمتصوفة والصلحاء، ووسيلة لنشر الممارسات المرتبطة بالتوبة والزهد ومجاهدة النفس.
ويتناول البحث أيضا أثر السياق السياسي والاجتماعي خلال العهدين المرابطي والموحدي، بما في ذلك حضور خطاب الزهد في بعض الروايات المتعلقة بالحكام ورموز الإصلاح الديني. ويربط البريول بين انتشار التصوف والتحولات التي عرفها المجتمع، من ازدهار اقتصادي وتفاوت اجتماعي وأزمات لاحقة، معتبرا أن هذه الظروف وفرت أرضية لانتشار الدعوة إلى التخفف من الدنيا وإعادة الاعتبار للسلوك الروحي. ويخلص إلى أن التصوف المغربي المبكر كان حصيلة تفاعل بين أصل إسلامي سني، ومرجعيات مشرقية وإفريقية وأندلسية، وعوامل محلية دينية ومؤسساتية واجتماعية.
المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/97989740/...










