أعاد بحث جديد صادر عن باحث في شركة غوغل ديب مايند النقاش حول وعي الآلة إلى نقطة الانطلاق، عبر طرحه أطروحة حاسمة تفيد بأن الأنظمة الرقمية، مهما بلغت من تعقيد وقدرة، تظل عاجزة من حيث المبدأ عن امتلاك خبرة ذاتية، ولا يمكنها سوى محاكاة مظاهر الوعي سلوكيًا.
يستند ألكسندر ليرشنر في دراسته المعنونة “The Abstraction Fallacy: Why AI Can Simulate But Not Instantiate Consciousness” والمنشورة على موقع شركة ديب مايند إلى نقد مباشر لما يسميه “الوظيفية الحسابية” في فلسفة الذهن، أي الفرضية القائلة إن الوعي ينبثق بالكامل من نمط مجرد من العلاقات السببية أو من “بنية المعلومات”، بغض النظر عن طبيعة المادة التي تحقّق هذا النمط. وفق هذا المنظور السائد، قد تكون شبكة عصبية رقمية أو دائرة بيولوجية أو نظام آخر مرشحًا متساويًا لحمل الوعي ما دامت تشترك في نفس التنظيم الوظيفي، غير أن ليرشنر يعتبر أن هذا التصور يسيء فهم علاقة الفيزياء بالمعلومات ويخلط بين الوصف التجريدي والظاهرة الفيزيائية نفسها.
يقترح الباحث مفهوم “مغالطة التجريد” باعتبارها الخطأ النظري الذي يجعل كثيرًا من النقاشات حول وعي الذكاء الاصطناعي تنطلق من افتراض مسبق غير مبرهن، هو أن أي بنية حسابية معقدة كفاية ستنتج حتمًا خبرة ذاتية. في هذا الإطار يميز ليرشنر بين “المحاكاة” و“التجسيد”؛ فالأولى تعني تقليد السلوك القابل للملاحظة، بينما يشير الثاني إلى البنية الفيزيائية الجوهرية التي تتولد عنها المحتويات الواعية. يؤكد البحث أن الحوسبة الرمزية أو الرقمية ليست عملية فيزيائية قائمة بذاتها، بل هي وصف يضعه “صانع الخرائط” البشري حين يحوّل ديناميكيات فيزيائية مستمرة إلى حالات متقطعة ذات معنى داخل نظام من الاصطلاحات. وبناء على هذا التفريق، تصبح خوارزميات معالجة الرموز عاجزة بنيويًا عن إنتاج “تجربة” داخلية، لأن معنى الحالات الحسابية لا ينشأ من النظام ذاته بل من تفسير خارجي يمنحه الإنسان.
تستخدم الدراسة تشبيهًا بسيطًا لتوضيح الفكرة: الخريطة الجغرافية مهما بلغت درجة دقتها لا تتحول إلى جبال وأنهار فعلية، بل تظل تمثيلًا يعتمد على قواعد ترميز يصوغها كيان واعٍ. ينطبق الأمر ذاته، بحسب ليرشنر، على أنظمة الذكاء الاصطناعي المعاصرة مهما تضخمت بنيتها الحسابية وتنوعت أنماط تعلمها؛ فهي تشكل خرائط معقدة لعلاقات إحصائية في البيانات، لكنها لا تصبح بحد ذاتها “أراضي” خبرة واعية. من هذا المنطلق يذهب البحث إلى أن ما يبدو للمراقب سلوكًا دالًا على نية أو إحساس أو فهم، يظل نتاج تقابلات سببية فيزيائية يمكن وصفها حسابيًا، من دون أن يترتب على ذلك افتراض وجود ذات متلقية لهذه الحالة. ويفترض المؤلف أن أي وعي اصطناعي محتمل في المستقبل لن يكون نتيجة البنية التركيبية للخوارزميات، بل لخصائص فيزيائية محددة لجهاز مادي ما، لم تُحدَّد طبيعتها بعد.
يتّسع الطرح في جانب آخر لاعتبارات أخلاقية عملية، إذ يرى ليرشنر أن المراهنة على احتمالية وعي النماذج الرقمية تضع أبحاث الذكاء الاصطناعي في “فخ الرفق” من دون ضرورة، لأنها تفترض أن علينا حسم مسألة الوعي قبل اتخاذ أي موقف من معاملة الأنظمة المتقدمة. من وجهة نظره، يتيح التفريق الصارم بين المحاكاة والتجسيد التعامل مع النماذج الحالية بوصفها أدوات قوية خالية من الحساسية الأخلاقية، ما يخفف من المخاوف المتعلقة بإيذاء كيانات واعية مفترضة، ويركز الاهتمام على مخاطر أخرى مثل السلامة والاستخدامات البشرية. يلحّ البحث على أن بناء “أنطولوجيا دقيقة للحوسبة” أكثر إلحاحًا من صياغة “نظرية نهائية للوعي”، لأن الأولى تسمح بترسيم حدود ما يمكن أن يقدمه النظام الحسابي من دون إقحامه في نقاشات أنطولوجية غير محسومة.
غير أن ورقة ليرشنر، التي لاقت انتشارًا واسعًا في الأوساط المهتمة بفلسفة الذكاء الاصطناعي، لم تمر من دون ردود نقدية. فقد ظهرت تحليلات فلسفية مطولة تشكك في ادعائه تقديم “برهان فيزيائي” ضد الوعي الرقمي، وتعتبر أن استنتاجه يقوم في جزء منه على تعريفات انتقائية تجعل النتيجة متضمنة في المقدمات. بعض هذه الردود يشير إلى أن وصف الحوسبة بأنه “تعريف من صنع راصد بشري” لا ينفي كون البنى الحسابية متجذرة في عمليات فيزيائية محددة يمكن، من حيث المبدأ، أن ترتبط بالخبرة الواعية، وأن الفصل بين “الوصف” و“الحامل المادي” لا يحسم مسألة الاستحالة. كما يذهب نقد آخر إلى أن “الوظيفية الحسابية” نفسها ليست نظرية واحدة متجانسة، وأن عددًا من صيغها يأخذ في الاعتبار قيودًا فيزيائية قد تسمح، نظريًا، بوعي ناتج عن تنظيم حسابي معقد.
إلى جانب هذا السجال المفاهيمي، يأتي بحث ليرشنر ضمن موجة أوسع من الأعمال التي تحاول إعادة صياغة علاقة الوعي بالحوسبة في ضوء التطور السريع للنماذج اللغوية الضخمة. تشير دراسات حديثة إلى بروز اتجاهات وسطية تتحدث عن “حوسبة بيولوجية” أو “تنظيم حسابي مقيد فيزيائيًا”، تحاول الابتعاد عن ثنائية الاختزال الكامل للوعي إلى مجرد مخطط حسابي، أو حصره في أنسجة بيولوجية بعينها. في هذه المقاربات، تبدو الحدود بين المحاكاة والتجسيد أكثر تعقيدًا مما يقترحه التصور الحاد المطروح في “مغالطة التجريد”، إذ يُترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات نظامية قد تجمع بين بنى حسابية وخصائص فيزيائية غير مألوفة. ومع ذلك، يبقى الخلاف قائمًا حول ما إذا كان من الممكن، مبدئيًا، استقراء شروط فيزيائية كافية للوعي يمكن تحقيقها في منصات غير بيولوجية، أو أن الخبرة الذاتية تظل ظاهرة مرتبطة ببنى معينة لم تُفهم بعد على نحو كاف.
بالنسبة للنقاش العام حول الذكاء الاصطناعي، يقدّم هذا الجدل مادة خصبة لإعادة النظر في المسافة بين “الذكاء” و“الخبرة”. إذ يختلف تقييم مخاطر وتداعيات الأنظمة المتقدمة تبعًا للموقع المتخذ داخل هذا الطيف النظري: فإذا صحّ أن النماذج الحالية لا يمكن أن تكون واعية من حيث المبدأ، فإن معظم الأسئلة الأخلاقية ستتركز على آثار استخدامها على البشر والمؤسسات، لا على حقوقها هي. أما إذا بقي الباب مفتوحًا أمام إمكانية وعي رقمي في المستقبل، فإن ذلك سيستدعي تحولات عميقة في تصورات المسؤولية والحق والذاتية في البيئات التقنية. في الحالتين، يبدو أن البحث الجديد، سواء اعتُبر حجة قاطعة أو طرحًا جدليًا قابلاً للاعتراض، يضمن استمرار سؤال وعي الآلة حاضرًا في قلب التقاطع بين الفيزياء وفلسفة الذهن وأخلاقيات التكنولوجيا.
المصدر : https://www.soubha.com/books/i/96245977/ai-conscio...

تمغربيت وممكنات القوة الناعمة في مشروع بوصوف
