أفرزت الأندلس في القرن السادس الهجري قامةً فكريةً فريدة لا تزال تستأثر باهتمام الباحثين في جامعات الغرب وأروقة الدراسات القرآنية المقارنة في وقت واحد؛ هو أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن اللخمي الإشبيلي المعروف بابن برجان (ت. 536هـ/1141م)، الذي لقّبه معاصروه بـ"غزالي الأندلس" تقديراً لمكانته الفكرية الاستثنائية التي جمعت بين الفقه والتصوف والتفسير والكلام.
نشأ ابن برجان وبثّ تعاليمه في إشبيلية في ظل الحكم المرابطي الذي اتسم بقدر من التضييق على المتصوفة والمفكرين، وكان هذا المناخ السياسي المعقد مسرحاً لنشاطه الفكري المتعدد الأبعاد. وصفه ابن الأبار في كتابه "التكملة" بأنه "كان من أهل المعرفة بالقراءات والحديث، والتحقيق بعلم الكلام والتصوف، مع الزهد والاجتهاد في العبادة" ، وهو توصيف يرسم بدقة ملامح شخصية جامعة بين الأبعاد العقلية والروحية. انتهى مساره الحياتي بنفيه إلى مراكش رفقة صديقه ومعاصره ابن العريف (ت. 536هـ) بأمر من السلطان المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين الذي ارتاب من نفوذهما الروحي على العامة، ليُدفن ابن برجان بمراكش في مكانٍ قريب من قبر ابن العريف نفسه.
تحتل مدرسة المعتبرين الأندلسيين التي أسّس لها ابن برجان موقعاً متميزاً في خريطة التصوف الإسلامي، إذ تشكّل حلقة وصل موثّقة تاريخياً بين ابن مسرة القرطبي (ت. 319هـ) وابن العربي المرسي (ت. 637هـ). أثبت يوسف كيسويت من جامعة شيكاغو في دراسته الموسوعية "مُتصوّفو الأندلس" الصادرة عام 2017 عن مطبعة كامبريدج أن ابن برجان كان أبرز شخصيات هذه المدرسة وأغزرهم إنتاجاً وأوسعهم تأثيراً في الفترة التأسيسية للتصوف الأندلسي. ويتمحور مفهوم "الاعتبار" بوصفه منهجاً أصيلاً في صرح هذه المدرسة وجوهرها، وهو عند ابن برجان "عبور تأملي" يتجاوز فيه العارف ظاهر الوجود والنص نحو الحقيقة الميتافيزيقية التي تجمع الوحي والكون والنفس في نسيج واحد.
تتمثّل الإسهامة الأكاديمية الأكثر إثارة في منهج ابن برجان ما بات يُعرف في الدراسات الغربية المعاصرة بمنهج تفسير القرآن بالكتاب، الذي رصده وحقّقه الباحث آر. مايكل ماكوي في كتابه الصادر عن دار بريل عام 2021. فقد اعتمد ابن برجان النسخ العربية من التوراة والإنجيل -المترجمة عن اللاتينية الفولغاتية- مصدراً تفسيرياً يرتقي في درجته إلى مستوى الحديث النبوي ، وهو خيار جريء لم يتخذه أحد من المفسرين قبله بصورة منهجية ومعلنة. تميّز هذا التوظيف بانعدام النبرة الجدلية وخلوّه من مقاصد الردّ والدحض، فابن برجان ليس مجادلاً يستحضر النصوص ليدمغها، بل قارئ متأمّل يوظّفها لاستجلاء دلالات القرآن وتعميق فهمها. وقد دمج اقتباسات مطوّلة من سفر التكوين ومن إنجيل متى في نسيجه التفسيري بجانب الآيات والأحاديث، منطلقاً من مبدأ "الهيمنة الإبستيمولوجية القرآنية"، أي أن القرآن هو المقياس الذي تُوزَن به النصوص السابقة وتُفهم في ضوئه.
ومن إنجازاته الهرمينوطيقية الأكثر أصالةً نظريةُ نظم القرآن التي تُحيط بها أطروحة ابن برجان الكبرى؛ إذ يعمد إلى تفسير القرآن بالقرآن عبر تتبع الروابط البنيوية والدلالية العميقة التي تصل السور والآيات بعضها ببعض. وقد أبرز أكاديميون من جامعة أكسفورد في رسائلهم أن طريقة "السرد اللؤلؤي" عند ابن برجان تسبق في جوهرها وآلياتها ما طوّره البقاعي لاحقاً تحت مسمّى "علم المناسبات". وفي تفسيره لآية النور (سورة النور: 35)، لا يرى ابن برجان في "الشجرة المباركة" زيتونةً أرضيةً ولا مجرد رمز صوفي عابر، بل يرفعها إلى مرتبة "الحقيقة التي خُلق عليها الخلق" والكيان الميتافيزيقي الأسمى الجامع بين عالم الشهادة وعالم الغيب.
ثلاثة مؤلفات تجسّد هذا المشروع المعرفي: تنبيه الأفهام إلى تدبر الكتاب الحكيم وتعرّف الآيات والنبأ العظيم المطبوع عن دار الكتب العلمية ببيروت، وإيضاح الحكمة بأحكام العبرة الذي أصدرت دار بريل طبعته النقدية وهو الأكثر أهمية وعمقاً، وأخيراً شرح أسماء الله الحسنى الذي يستقصي فيه التجليات الكونية للأسماء الإلهية وإسقاطاتها على مسالك السالكين. وتجدر الإشارة إلى أن ابن برجان اشتُهر أيضاً بتنبؤ مذهل مبني على قراءته الحسابية لأوائل سورة الروم، إذ تنبّأ بتحرير القدس من الصليبيين في السنة 583هـ، وهو ما تحقّق بالفعل حين حرّر صلاح الدين الأيوبي المدينة في 27 رجب 583هـ بعد نصف قرن من وفاة ابن برجان.
أما الأثر الذي خلّفه هذا المنهج فلا يقتصر على الأندلس؛ إذ أفادت الدراسات الأكاديمية أن الإمام برهان الدين البقاعي (ت. 885هـ) صاحب "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" استحضر إرث ابن برجان بشكل واضح في منهجه، وذلك رغم ما أثاره استخدام التوراة والإنجيل من انتقادات حادة من علماء عصره. يمثّل ابن برجان بذلك الحلقةَ المؤسِّسة لتقليد تفسيري مقارن فريد داخل التراث الإسلامي، لم تُستأنف قراءته الكاملة إلا بظهور الدراسات الغربية المعاصرة التي أعادت إحياء ما ظلّ في ظلّ النسيان قروناً طويلة.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96960044/ibn-barraja...

العمل والسفر معاً: من أوروبا إلى المغرب
