Articlophile.xyz | Agrégateur d'Actualités et Articles de Qualité

إسبانيا على مفترق الطرق السياحي


Rédigé le الجمعة 12 يونيو 2026 à 10:41 | Lu 0 commentaire(s)



تعيش إسبانيا منذ سنوات معادلةً بالغة التعقيد: قطاع سياحي يحطم أرقامه القياسية عاماً بعد آخر، في مقابل سكان يفترشون الشوارع احتجاجاً على نموذج باتوا يصفونه بأنه يحوّل مدنهم إلى بُقَع ترفيهية تفتقر إلى الشروط الدنيا للحياة اليومية. هذا التناقض الحاد يضع الحكومة الإسبانية أمام خيارات مؤلمة، في ظل توقعات تشير إلى أن المسار الراهن بلوغ 115 مليون زيارة بحلول 2040.

بلغت الوفود الأجنبية إلى إسبانيا 97 مليون سائح عام 2025 بعد 94 مليوناً سُجِّلت في العام الذي سبقه، مع عائدات بلغت 135 مليار يورو، أي ما يعادل ارتفاعاً بـ6.8% على أساس سنوي. ويمثل هذا القطاع 12.6% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد ونحو 3 ملايين وظيفة، مما جعل المسؤولين يتحدثون عن "إنجاز جماعي" حتى حين تبرز تحت هذه الأرقام تشققات اجتماعية عميقة.

الجانب الأكثر تأثيراً في المشهد الإسباني هو انعكاس الموجة السياحية على سوق الإسكان. فقد ارتفعت إيجارات المساكن في إسبانيا بمعدل 8.5% خلال عام 2025، فيما تبقى برشلونة الأعلى كلفةً بـ23.8 يورو للمتر المربع شهرياً. وتكشف البيانات أن الإيجارات في هذه المدينة الكاتالونية قفزت بنسبة تتراوح بين 62% و72% خلال العقد الماضي، في حين يعيش نحو ألف شخص في مركباتهم في مايوركا بسبب استحالة الحصول على مسكن. وكان الضغط على سوق الإسكان الحافزَ الأساسي وراء إقبال أكثر من عشرين تجمعاً مدنياً من إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا وكرواسيا واليونان على لقاء برشلونة لمواجهة التسليع السياحي في أبريل 2025.



لم تكن الاحتجاجات حادثةً عابرة؛ إذ منذ ربيع 2024 تتصاعد موجة من التظاهرات في جزر الكناري والبليار وبرشلونة وبلنسية وغيرها. وفي يوم 15 يونيو 2025 خرج المحتجون في عشر مدن إسبانية متزامناً مع تظاهرات مماثلة في البندقية ولشبونة وميلانو، رافعين شعارات من قبيل "سائح يدخل، جار يرحل". ومن أبرز المطالب التي طرحتها هذه الحركات: إغلاق محطات السفن السياحية الكبرى، ووضع حد أقصى للإشغال الفندقي، وإلغاء كل استثمار عام في الترويج السياحي. وتستند هذه الحركات إلى مفهوم "التقليص السياحي" الداعي إلى تخفيض حجم الوفود لا ترشيدها فحسب. أما جزر الكناري، التي استقبلت 18 مليون سائح في 2024 مقابل سكان لا يتجاوزون 2.2 مليون نسمة، فقد باتت رمزاً للأزمة في أوضح صورها.

في المقابل، سارعت الحكومة والمجالس المحلية إلى حزمة من الإجراءات لاحتواء الاحتقان الاجتماعي. أمرت السلطات بحذف أكثر من 65 ألف إعلان لإيجارات قصيرة الأمد على منصة Airbnb ثبت عدم استيفائها للاشتراطات القانونية. وقررت برشلونة إلغاء جميع تراخيص الإيجار السياحي القصيرة الأمد بحلول 2028، بينما رفعت ضريبة الإقامة فيها إلى 3.25 يورو للليلة اعتباراً من مارس 2026. كما أعلنت مالقة حظر منح تراخيص جديدة لتأجير الشقق سياحياً في 43 حياً صُنِّف على أنه بلغ حد التشبع. وقدّر تقرير لمنظمة Oxford Economics أن هذه القيود قد تكلّف الاقتصاد الإسباني نحو 30 مليار يورو وتعرّض 400 ألف وظيفة للخطر، وهو ما تدحضه الحكومة بحجة أن التحدي الحقيقي يكمن في شُح العرض السكني لا في تجريم التأجير.

على صعيد الرؤية الإستراتيجية، طرحت الحكومة الإسبانية خطة "إسبانيا للسياحة 2030" التي تضم خمسين إجراءً لتحويل القطاع نحو نموذج أكثر استدامةً يُولي الجودة على الكمية. وأعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز في أكتوبر 2025 عن إنشاء مرصد للإسكان السياحي مهمته رسم "أطلس لكثافة السياحة" في مختلف الأحياء والمدن، محذراً بأن البلاد "لا تستطيع أن تموت من كثرة نجاحاتها". ورصدت الخطة كذلك 3.4 مليار يورو من صناديق Next Generation الأوروبية لدفع التحول نحو سياحة أكثر ربحيةً وأقل ضغطاً على الموارد. غير أن ما يُقلق المراقبين هو أن تنفيذ هذه الاستراتيجية يصطدم بتنازع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية، فضلاً عن منطق السوق الذي يدفع نحو الاستقطاب القصوى للزوار في كل موسم. وما لم تُعالج إسبانيا التناقض الجوهري بين أهداف النمو الاقتصادي وحقوق السكان في الاستقرار والسكن، ستظل الأرقام القياسية تحجب أزمةً حقيقية تتراكم خلفها.




المصدر : https://mrrakch.articlophile.net/mraksh/i/96892046...



Rss
Mobile