في السنوات الأخيرة بدأ عدد متزايد من الأطباء والعاملين في علوم الحركة الرياضية يلفتون الانتباه إلى عضلة عميقة في الجسد، قلّما يلتفت إليها غير المتخصصين، رغم أنها تتحكم في جزء حاسم من القدرة على الحركة اليومية والأداء الرياضي المعاصر على حدّ سواء. هذه العضلة هي «الحُرقُفيّة القَطنية» أو ما يُعرف غالباً بعضلة الـ«بسوَاس»، والتي تشكّل حلقة وصل حقيقية بين النصفين العلوي والسفلي للجسد، وتقوم بدور مركزي في استقرار العمود الفقري وحركة مفصل الورك، مع ارتباط وثيق بوظائف التنفس ووضعية الجسد.
تتخذ هذه العضلة موقعاً خفياً خلف أحشاء البطن، ممتدة من الفقرات القطنية في أسفل الظهر حتى الجزء الداخلي من عظمة الفخذ، الأمر الذي يجعلها العضلة الوحيدة تقريباً التي تعبر «مركز ثقل» الجسد من الداخل، وتشارك، في آن واحد، في تثبيت أسفل العمود الفقري ورأس عظمة الفخذ داخل الحوض. ويجعل هذا التكوين التشريحي من الحرقفية القطنية أهم عضلة من عضلات ثني الورك، فهي التي ترفع الساق إلى الأمام كما لو أن الجسد يستعدّ لتجاوز حاجز، وهي بذلك حاضرة في المشي والجري وصعود الدرج والوقوف بعد الجلوس والحركات الجانبية المعقّدة لدى الرياضيين المحترفين. كما أنها ترتبط بنحو وثيق بالعضلات البطنية والحجاب الحاجز، ما يجعل علاقتها بالتنفس العميق ووضعية الجذع علاقة مباشرة وليست ثانوية.
توفّر صور الرنين المغناطيسي الحديثة قياسات دقيقة لحجم العضلات، وتُظهر أن حجم الحرقفية القطنية يتجاوز في المتوسط عضلات بارزة مثل الدالية في الكتف أو العضلة الصدرية الكبرى، إذ يبلغ حجمها نحو أربعمئة سنتيمتر مكعب، وهو رقم لافت قياساً إلى عضلة لا يراها المرء في المرآة ولا تحضر في القوالب الشائعة عن «الجسد الرياضي». ومن السهل على أي شخص أن يستشعر هذه العضلة إذا تمدّد على ظهره، ثم ضغط بأصابعه قليلاً إلى الداخل قرب عظم الحوض الأمامي، ورفع ساقه عن الأرض؛ عندها سيشعر بخيط عضلي متوتر تحت الأصابع، وهو الحرقفية القطنية وهي تؤدي وظيفتها الأساسية.
تتداخل هذه العضلة على نحو كثيف مع البنى العصبية والوعائية في أسفل الظهر؛ فشبكة الأعصاب المسؤولة عن إدارة الطرفين السفليين، المعروفة بالضفيرة القطنية، تمرّ عبر ألياف الحرقفية القطنية ذاتها، بينما تظهر في صور الرنين كأنها عقدة عميقة وسط تداخل الكليتين والحجاب الحاجز والمريء والأمعاء والأعضاء التناسلية وبنية الحوض. هذا التمركز يجعل أي خلل في مرونة العضلة أو قوتها سبباً محتملاً لاضطرابات تمتد من آلام أسفل الظهر إلى صعوبات الحركة الدقيقة، وهو ما بدأت دراسات طبية متعددة تربطه بتراجع جودة الحياة لدى شرائح واسعة من السكان.
تقدّر منظمة الصحة العالمية عدد المصابين بآلام أسفل الظهر بنحو ستمئة وتسعة عشر مليون شخص، مع تصنيف هذه الحالة بوصفها السبب الأول للإعاقة على مستوى العالم. وتشير أبحاث متزايدة إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الحالات يرتبط بضمور أو ضعف في عضلات الورك العميقة، وعلى رأسها الحرقفية القطنية، خاصة لدى من يمضون ساعات طويلة في الجلوس أمام الشاشات أو خلال القيادة أو في بيئات عمل لا تتيح حركة كافية. الجلوس المطوّل يجعل هذه العضلة في وضع قصير ومتوتر لساعات، ما يفضي تدريجياً إلى تيبّسها وضعف قدرتها على أداء دورها في تثبيت الفقرات القطنية والحفاظ على مجال الحركة الطبيعي لمفصل الورك.
في المقابل، قد تتهيج الحرقفية القطنية لدى من يكثرون من الجري أو ركوب الدراجات أو السباحة من دون توازن كافٍ بين الأحمال والتعافي، فتتداخل الشكوى لديهم بين شدّ عضلي عميق وآلام أسفل الظهر وصعوبات في الحركات الجانبية السريعة، كما يحدث مثلاً لدى بعض لاعبي التنس أو كرة القدم. هنا يتدخل مختصو الأداء الرياضي في مراكز متقدمة مثل مختبر الأداء «P3» في سانتا باربرا، حيث يجري تحليل دقيق لحركة الورك والحوض، بما في ذلك قياس القوة التي ينتجها الرياضي في الحركات الجانبية بالنسبة إلى وزن جسده، وهي قيمة تعبّر عنها وحدات نيوتن لكل كيلوغرام وتُستخدم لتقدير كفاءة استغلال الحرقفية القطنية وبقية عضلات الورك.
تُظهر تجارب ميدانية أن تقوية هذه العضلة وتحسين مرونتها يمكن أن ينعكسا مباشرة على الأداء؛ فعندما أضاف عداؤون متخصصون في سباقات خمسة كيلومترات تمارين موجهة لمثنيات الورك إلى برامجهم، سجّلت صور الرنين تزايداً في حجم الحرقفية القطنية ترافق مع تحسن ملحوظ في أزمنتهم. هذه النتائج تشير إلى أن العضلة ليست مجرد عنصر ثابت في الخلفية، بل بنية قابلة للتكيّف، تستجيب لتدريب نوعي يدمج بين القوة والتحكم العصبي، وتنعكس استجابتها على سرعة الجري وقدرة الجسد على رفع الركبة عالياً وتكرار الحركة بكفاءة.
التمارين الموجهة للحرقفية القطنية تأخذ أشكالاً بسيطة في ظاهرها، لكنها تتطلب دقة في التنفيذ؛ فحركات «المسير» التي يرفع فيها الرياضي الركبة عالياً وهو واقف على ساق واحدة، مع حمل أوزان مختلفة باليدين، تستثير هذه العضلة بفعالية وتتحدى قدرتها على التحكم في مفصل الورك أثناء تغيّر مركز الثقل. كما أن تدريبات القوة الموجهة لسلسلة العضلات الخلفية، مثل القرفصاء والاندفاعات و«الرفعة الرومانية» على ساق واحدة، تساهم بصورة غير مباشرة في تحسين توازنها مع الحرقفية القطنية عبر مبدأ التآزر والتضاد العصبي بين العضلات الأمامية والخلفية.
إلى جانب التدريب، تحضر تقنيات «تحرير الأنسجة الرخوة» كأداة يستعين بها المعالجون الفيزيائيون لمساعدة هذه العضلة على استعادة مرونتها، حيث يستخدم البعض كرات طبية صلبة أو أدوات خاصة للضغط التدريجي على منطقة الحوض الأمامية في موضع مرور الحرقفية القطنية. وعلى الرغم من أن الأدبيات العلمية بشأن تأثير هذه الأساليب على المدى الطويل ما تزال «مختلطة ومشجعة في آن واحد»، وفق مراجعة حديثة، فإن الممارسة السريرية لدى معالجين رياضيين تؤكد أن تطبيقها بدقة يمكن أن يفتح «نافذة» لتحسين الاستفادة من تمارين الإطالة والقوة اللاحقة.
تجارب رياضيين محترفين في مراكز مثل «P3» تروي كيف يتحول هذا النوع من العمل العميق على الأنسجة من تجربة مؤلمة في البداية إلى جزء روتيني من الإعداد، يشبه «الصيانة الدورية» للجسد، حيث تُخصص دقائق من كل حصة تدريبية لاستخدام كرة «لاكرُوس» أو أثقال «الكاتل بيل» الثقيلة على مناطق محددة من الفخذ الأمامي والعضلات المقربة والحرقفية القطنية. ومع الوقت، يتطوّر لدى الرياضي حسّ ذاتي أدق تجاه مصدر التوتر في الورك وأسفل الظهر، فيتعلم ربط الانزعاج اليومي بصلابة في موضع محدد من هذه العضلة العميقة، ما يتيح له التدخل المبكر بدل الانتظار حتى يتحول التوتر إلى إصابة.
تنبّه هذه المقاربة إلى تحوّل تدريجي في فهم الجسد؛ فبدلاً من النظر إلى الهيكل العظمي بوصفه «الإطار» الأساسي الذي يُبنى عليه كل شيء، يتزايد الاهتمام بالدور الحاسم للعضلات والأوتار والأنسجة الرخوة التي تمسك هذا الإطار وتتحكم في حركة مفاصله. ولعل الحرقفية القطنية تقدّم مثالاً واضحاً على هذا التحول؛ فهي ليست عضلة يسهل تصويرها أو استعراضها، لكنها تمثّل «مركزاً عميقاً» يربط بين التنفس والوضعية والحركة، ويقف، بحسب ما يورده كتاب هنري أبوت الجديد «Ballistic: The New Science of Injury-Free Athletic Performance»، في قلب نقاش أوسع حول كيفية الحفاظ على أداء عالٍ من دون التضحية بصحة الجسد على المدى الطويل. وفي عالم يمتدّ فيه الجلوس لساعات أمام الشاشات، تبدو هذه العضلة الخفية ملفاً طبياً ورياضياً يستحق مزيداً من البحث والانتباه في الأوساط المتخصصة والجمهور العام على السواء.
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/96820066/har...

توازنات معقدة في التعامل مع إيران
