المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

أن تعيش مع الآخرين تحت سقف واحد: المكان الذي تتبدّد فيه أوهام الذات


الجمعة 6 نوفمبر 2026 à 18:09 |




في صباح من صباحات هذا العام، استيقظت الكاتبة البريطانية إليزابيث أولدفيلد على أصوات غناء وأنين تتسرّب من سقف غرفتها: كانت هاتي، إحدى شريكاتها في السكن، تضع مولودها في البيت. وبين إيصال الأطفال إلى المدرسة والردّ على الرسائل، كانت أولدفيلد تفتح الباب للقابلات وتعدّ الشاي وتجمع المناشف حول حوض الولادة المنصوب في غرفة الجلوس. بهذا المشهد تفتتح مقالًا مطوّلًا نشرته مجلة «إيون» (Aeon) الفكرية في 22 أكتوبر 2026، تروي فيه تجربة العيش المشترك التي تخوضها منذ قرابة ست سنوات في جنوب لندن، وتدافع عن فكرة لافتة: أن الحياة اليومية مع الآخرين هي المكان الذي تتبدّد فيه أوهامنا عن أنفسنا.



أولدفيلد، البالغة 42 عامًا، عملت سابقًا في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وأدارت مركز أبحاث، وهي صاحبة كتاب «Fully Alive» الصادر عام 2024 ومقدّمة بودكاست «The Sacred». وتقول إن كل ملف سياسات عامة اشتغلت عليه، من تآكل الثقة إلى الوحدة والصحة النفسية والسكن والمناخ، كان يقودها إلى العقدة ذاتها: الانفصال بين الناس وعجزهم عن تقاسم أشيائهم وفضاءاتهم ومهاراتهم وذواتهم. وترى أن الثمن الذي ندفعه مقابل حريات الفردانية الليبرالية، أي الاستقلالية والخصوصية ووفرة الخيارات، هو شعور بالخفّة الوجودية وبالعزلة، مستعيرةً من الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور مفهوم «الذات المحصّنة» التي تُحكم إغلاق حدودها في وجه الآخرين.


لم يكن الانتقال سهلًا. فقد استغرق الأمر سنوات من النقاشات والبحث والتعقيدات الإدارية، قبل أن تعثر هي وزوجها على شركاء ملتزمين لم يكونوا أصدقاء من قبل، فاستأجروا معًا بيتًا لاختبار الفكرة، في فترة تزامن جزء منها مع إغلاقات جائحة كوفيد-19. ثم انهارت صفقة شراء البيت المشترك في يومها الأخير، فوجدت الأسرة نفسها لأشهر بلا عنوان ثابت، تتنقّل بين أرائك الأصدقاء والأقارب. أما اليوم فيتقاسم السكان كل شيء باستثناء غرف النوم، ويجمعون معظم أموالهم في صندوق مشترك، ويطبخون ويتسوّقون ويصلّون معًا، ويستقبلون مئات الضيوف سنويًا. وتعترف الكاتبة بأن الخلافات الصغيرة حول الحليب وغسّالة الصحون وفتات الخبز لا تنتهي، لكنها كثيرًا ما تخفي أسئلة أعمق: لمن أنتمي؟ وأين أكون نفسي حقًا؟ ومن أصير إلى جانب هؤلاء الناس؟


وفي قلب أطروحتها أن هذا القرب المُرهِق أداة فعّالة لمعرفة الذات. فالعيش تحت أنظار الآخرين، بلا أقنعة مصقولة، يكشف ما نفضّل تجاهله؛ وتعترف أولدفيلد بأنها اكتشفت كم بقي فيها من طفل يريد أن يُنفَّذ ما يشاء ويسارع إلى الاحتجاج بأن «هذا ليس عدلًا». وتستحضر في ذلك التقاليد الرهبانية التي تعدّ الاحتكاك اليومي بالآخرين شرطًا للنضج الروحي، وعبارة ميشيل فوكو عن «تقنيات الذات». كما تستند إلى علم الأعصاب العلائقي: فالطبيب النفسي دان سيغل يرى أن علاقاتنا الأولى تشكّل البنى العصبية التي نبني بها تصوّرنا للواقع، ويصف عالم النفس العصبي ألان شور الرضيع بأنه «نظام ديناميكي مفتوح». وتخلص الكاتبة إلى أن البشر يظلّون أنظمة مفتوحة طوال حياتهم، وأننا، كما يردّد سكان بيتها، «خُلقنا بعضنا لبعض، ويصنع بعضنا بعضًا».


وتستعين أولدفيلد بالفيلسوفة والروائية البريطانية آيريس مردوخ، التي عرّفت الحب في مقالة لها عام 1959 بأنه الإدراك الشاقّ لكون شيء آخر غير الذات حقيقيًا. فالعزلة، بحسب الكاتبة، تسمح لنا بالاحتفاظ بشتى الأوهام عن أنفسنا وعن الآخرين، بينما يُلزمنا العيش المشترك برؤية الناس رؤية مجسّدة ومنتظمة، لا عبر المرايا المشوّهة لوسائل التواصل الاجتماعي. ومن هنا تخالف ديكارت الذي ظنّ أن الانسحاب من المجتمع طريق إلى الحقيقة، وتستشهد بالباحثة في النظرية الاجتماعية سارة شتاين لوبرانو التي تذهب إلى أن طول الانفراد يجعلنا أكثر عرضة للوهم. فإن كانت عقولنا تحتاج إلى شبكة كثيفة من الروابط لتدرك الواقع، تقول أولدفيلد، فلعلّ من يُسخر منهم بوصفهم «غريبي الأطوار» يتعلّمون رؤية العالم بوضوح أكبر.


لكن المقال ليس دعاية متحمّسة لحياة الجماعات المشتركة. فالكاتبة تقرّ بأن مثل هذه التجارب قد تؤذي أصحابها إذا أُديرت بشكل سيئ، ولذلك لا يلتزم سكان بيتها، خلافًا للرهبان والراهبات، إلا لفترات من خمس سنوات، ويتحدثون بصراحة عن احتمالات الخروج. وتقول لمن يستشيرونها إن «الجماعة من أجل الجماعة لا تنجح»: فما يحفظ تماسك المجموعات الدائمة هو أفق يتجاوز أفرادها، سياسيًا كان أو بيئيًا أو فلسفيًا. وفي حالتها، يقوم هذا الأفق على إيمانها المسيحي ووصية محبة القريب، وإن كانت تؤكد أن الدافع لا يلزم أن يكون دينيًا بالضرورة، شرط أن يكون قويًا بما يكفي لتحمّل الكلفة. أما هل غيّرتها التجربة فعلًا وجعلتها أكثر صبرًا وأقل تبرّمًا، فسؤال تقول إن الإجابة عنه عند شركائها في السكن.





المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98553112/a...



Rss
Twitter
Newsletter