صدر كتاب «السينما المغربية: قضايا الإبداع والهوية» للناقد حميد اتباتو في طبعته الأولى سنة 1999، أي منذ أزيد من ربع قرن، في زمن كانت فيه السينما المغربية تعدّ أفلامها بالعشرات، وكان النقد السينمائي يتغذّى أساسا من حيوية الأندية السينمائية وسجالاتها. ومع ذلك، لا يُقرأ الكتاب اليوم بوصفه وثيقة من أرشيف النقد، بل بوصفه نصّا ما يزال يحاور حاضرنا.
ومردّ ذلك إلى روح الاشتغال التي طبعت المؤلَّف كلّه: فاتباتو لم يكتب عن الأفلام بوصفها منتجات ظرفية مرتبطة بلحظة عرضها، بل اتخذها مدخلا إلى أسئلة أعمق تتجاوز زمنها، كالهوية والمتخيّل والتراث والمقدّس والمنسي الثقافي. وهي أسئلة مفتوحة بطبيعتها على الزمن، تتجدّد كلما تجدّدت الصورة وتغيّرت شروط إنتاجها. لذلك يبدو فصله عن «اشتغال المقدّس» راهنا على نحو لافت، في لحظة تعود فيها قضايا الهوية الثقافية والسيادة السردية والعلاقة بين الصورة والمعتقد إلى صدارة النقاش العام، داخل المغرب وخارجه.
من هنا تأتي هذه القراءة، لا لتلخيص الفصل فحسب، بل لإعادة وضع أطروحته في سياقها، واختبار قدرتها على إضاءة السينما المغربية اليوم.
يرافقنا المقدّس في كل مراحل العمر، من الولادة إلى الموت، ويخترق تفاصيل يومنا من غير أن ننتبه إليه، ومع ذلك ظلّ موضوعا قليل الحضور في النقاش الثقافي المغربي حول الصورة. من هذه المفارقة ينطلق الناقد السينمائي والأستاذ الباحث حميد اتباتو في فصل خصّصه لـ«اشتغال المقدّس من اليومي إلى المتخيّل السينمائي المغربي»، ضمن كتابه «السينما المغربية: قضايا الإبداع والهوية»، الصادر في طبعته الأولى بطنجة سنة 1999.
ويوضح اتباتو في تمهيد الكتاب أن انشغاله بالسينما المغربية تحرّكه ثلاثة دوافع: عشق السينما أولا، وتبنّي المشروع الثقافي والفني لـالجامعة الوطنية للأندية السينمائية ثانيا، والارتباط بقضايا ما يسمّيه «المنسي الثقافي» أخيرا، وهو مفهوم صار مرتبطا باسمه في الكتابة النقدية المغربية. ومن هنا اختار محاور يراها مهمّشة في السجال الثقافي: الإبداعية، والمقدّس، والموقع، والتراث، والتاريخ، والطفل، والمرأة، والمتخيّل، ليختبر من خلالها إجابات الفيلم المغربي عن سؤالي «الإبداع» و«الهوية».
حوار مصوّر يستعيد فيه الدكتور حميد اتباتو مساره صحافيا وناقدا سينمائيا وأستاذا جامعيا.
من التعدّد إلى التوحيد: مسار المقدّس في المجال المغربي
يقترح اتباتو قراءة تاريخية لحضور المقدّس في المغرب على مرحلتين. في المرحلة السابقة للإسلام كان المقدّس «مشتّتا»، بفعل تعاقب الشعوب والثقافات على هذه الأرض: الأصل الأمازيغي، والفينيقيون، والقرطاجيون، والرومان، والوندال، ثم العرب، إضافة إلى الامتدادات الإفريقية والمتوسطية. هذا التنوّع أغنى الهوية الثقافية المغربية، وانعكس على وجوه المقدّس فيها.
ثم جاء الإسلام فـ«عقلن» المقدّس ووحّده، وجعل السماء مصدره الوحيد، حتى صار يتحكّم في قراءة الواقع المغربي بكل أبعاده. ويستدل الكاتب على ذلك بثلاثة مستويات من الحياة اليومية.
الزمن
يقيس المغربي وقته بأوقات الصلاة: «قبل الظهر» و«بعد العصر» و«مع المغرب»، ويجيب من يسأله عن الساعة بعبارة «الساعة لله»، ويرى أن «الأعمار بيد الله»، ويسمّي الموت «رجوعا إلى الله». فالموت في هذا التصوّر ليس عدما، بل عودة إلى الأصل الإلهي، كما تعبّر عنه الآية: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون».
الفضاء
تقطع الصومعة، بارتفاعها نحو السماء، امتداد المعمار الدنيوي، ويقطع الأذان الصادر عنها رتابة الزمن والمكان. غير أن اتباتو يلاحظ أن الصلاة نفسها لا ترتبط ضرورة بالمسجد، مستحضرا الحديث النبوي الذي رواه البخاري: «جُعلت لي الأرضُ مسجدا وطَهورا، فأيّما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ». فالمسجد، في قراءته، يكتسب قداسته من النص المقدّس الذي يُتلى فيه ومن اتجاهه نحو الأعلى.
الجسد
يخضع الجسد، بحسب الكاتب، للقراءة المقدّسة من الولادة إلى الموت، مرورا بالتسمية والنشأة والزواج والإنجاب. كما تؤطّر المرجعية الدينية العلاقات الاجتماعية، من العلاقة بأولي الأمر، كما في آية سورة النساء: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»، إلى أكثر لحظات الحياة الزوجية خصوصية، التي يحيطها الفقهاء، كالبخاري والغزالي، بآداب الذكر والبسملة. ويخلص اتباتو إلى أن الجسد يتقاطع مع المقدّس حينا ويجاوره حينا آخر، ونادرا ما يسعى إلى الخروج من دائرته.
هوية متعدّدة الوجوه: «تعدّد الواحد» على الشاشة
المتخيّل السينمائي، عند اتباتو، ليس إلا مجالا آخر من مجالات حياة المغربي يشتغل فيه المقدّس. والنتيجة الأساسية لرصده أن المقدّس يحضر في الفيلم المغربي بوصفه «هوية متعددة الأوجه»، يمكن تتبّعها في خمسة تجلّيات.
المقدّس الإسلامي
وهو الأكثر كثافة، ويحضر عبر الأذان والترتيل والمسجد والصلاة، كما في «باب السما مفتوح» لفريدة بليزيد (1988)، أول فيلم روائي طويل مغربي تخرجه امرأة، وتدور أحداثه في فاس حول شابة عائدة من باريس توقظ فيها تلاوة القرآن في جنازة والدها رحلة روحية ذات نفس صوفي؛ وفي «باديس» (1989) لـمحمد عبد الرحمن التازي؛ وفي «الزفت» للطيب الصديقي.
المقدّس المسيحي
حضوره نادر، ومن أمثلته رنين أجراس الكنيسة في «للا حبي» (1997) للتازي، الجزء الثاني من مغامرات الحاج بنموسى الذي يرحل إلى أوروبا بحثا عن زوجته المطلّقة.
المقدّس اليهودي
وهو أندر، ولا يظهر غالبا إلا عبر علاماته الخارجية، أي عبر ممارسات وأشياء تحيل على الثقافة اليهودية في عمومها أكثر مما تحيل على المقدّس اليهودي مباشرة: الصديق اليهودي للحاج بنموسى في «للا حبي»، وتجارة الذهب، والملاح، واللباس الذي يتنكّر به الحاج أمام الشرطي، وصور بعض الحاخامات.
المقدّس الشعبي
هنا تكمن أغنى الإحالات: مقدّسات ترتبط بالإسلام في الذاكرة الشعبية لا في الحقيقة الدينية، كضريح «سيدي ياسين» في «الزفت»، والزاوية في «باب السما مفتوح»، وشخصية المجذوب في «حلاق درب الفقراء» لمحمد الركاب وفي «السراب» لأحمد البوعناني، والجذبة في «السراب» و«الناعورة» و«الحال» (1981) لأحمد المعنوني، الفيلم الذي وثّق تجربة مجموعة ناس الغيوان وأنتجته المخرجة والمنتجة إيزا جينيني، ثم في شريط «سادتي عيساوة». ويرى اتباتو أن هذا التجلّي يدلّ على أن المقدّس في المغرب، رغم عقلنة الإسلام له، احتفظ بامتدادات أخرى تكشفها عناصر مثل الجذبة والقربان المقدَّم لبعض الأشخاص والأماكن.
المقدّس الأسطوري
يرصده الكاتب أساسا في الأفلام القصيرة والوثائقية التي بنت خطابها على الأسطورة، ومن أمثلتها الاشتغال على أسطورة «إيسلي وتيسلي» الأمازيغية.
الإعلان الترويجي لفيلم «باب السما مفتوح» (1988) لفريدة بليزيد، كما نشرته منصة «فيلم إكسبورت» المغربية.
الإعلان الترويجي لفيلم «الحال» (1981) لأحمد المعنوني عن مجموعة ناس الغيوان، حيث تحضر الجذبة بوصفها تجلّيا للمقدّس الشعبي.
إن السينما، في عملية إعادة بنائها للواقع، إنما تقوم بخلق مقدساتها وأساطيرها وسحرها. — حميد اتباتو
السينما صانعةً للمقدّس: مفارقة الخشوع
من أطرف ما يلاحظه اتباتو مفارقة مزدوجة: فاستدعاء رموز المقدّس الصريحة في الفيلم لا يُحدث في الغالب أي إحساس بالإجلال لدى المتفرّج، ولو في أدنى درجاته؛ بينما قد تُحدث لقطات لا صلة مباشرة لها بالدين رعشة وخشوعا يشبهان التجربة القدسية. فحين يُتقن الفيلم بناء لقطة أو حدث، تكتسب الكائنات والأشياء ما يشبه «النعمة الخاصة» التي لا نعرف سببها.
ويمثّل لذلك بلقطة العربي باطما، صوت ناس الغيوان، في دور مولاي يعقوب وهو يؤدّي موّالا قرب البحر في «الناعورة»، وبلقطة محمد الحبشي في دور ميلود في «حلاق درب الفقراء»، وبطقوس «تاغنجا» (طقس الاستسقاء الشعبي) في «الزفت»، وبشاعرية لقطات البحر والغروب والنار المنتشرة في الأفلام المغربية.
ويستند الكاتب هنا إلى فكرة مفادها أن «لاواقعية» الصورة السينمائية هي خطوتها الأولى نحو الخرافة والأسطورة، وأن في السينما مخزونا ميثولوجيا مسكونا باللاوعي الجمعي، يجعل الفيلم، مهما بلغت واقعيته، منفتحا على ما هو روحي. ولإدراك ذلك يكفي، كما يقول، أن نتساءل: لماذا لا تعجبنا بعض الأشياء في وجودها الواقعي، ثم تسحرنا حين ترصدها الكاميرا في المتخيّل السينمائي؟
«نوح»: بين الدفن والولادة
يخصّص اتباتو وقفة لفيلم «نوح» لمحمد مزيان، الذي يرى فيه المقدّس «سؤالا» يؤطّر العمل من بدايته إلى نهايته. يفتتح الفيلم بمشهد دفن في مقبرة، والموت هنا تحقيق لوعد إلهي يشمل كل المخلوقات: «كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام» (الرحمن: 26-27)، و«كلّ نفسٍ ذائقة الموت ثم إلينا تُرجعون» (العنكبوت: 57).
ويقرأ الكاتب طقس الدفن عبر مؤرّخ الأديان ميرتشا إلياد، كما ينقله الأنثروبولوجي جيلبير دوران: الحياة انسلاخ عن أحشاء الأرض، والموت عودة إلى «المنزل الأول»، والرغبة الشائعة في أن يُدفن الإنسان في أرض وطنه ليست سوى الوجه الدنيوي لعودة صوفية إلى الجذور. ويضيف استحضار غاستون باشلار للأرض بوصفها الرحم الأول، وهو معنى يجد صداه في الآية: «منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى» (طه: 55).
وفي المقابل، يُختتم الفيلم بلقطة ولادة قبل الجينيريك، والولادة بدورها فعل مقدّس في الرؤية الدينية: «إنما أمرُه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون» (يس: 82). وبين الموت بداية والولادة نهاية، تتكثّف الإحالات: اسم البطل «نوح» الذي يستدعي النبي، والسفينة التي تُبنى في الفيلم، والقربان مجسّدا في قطّ يذبحه الأطفال، وهي إحالة يقرؤها الكاتب في ضوء أطروحة رينيه جيرار في «العنف والمقدّس»، فضلا عن السؤال الوجودي الذي أراده المخرج محورا للعمل.
البركة والموكب: «الزفت» و«حرب البترول لن تقع»
في «الزفت» (1984)، الفيلم الروائي الطويل الوحيد لـالطيب الصديقي، المقتبس من مسرحيته «سيدي ياسين في الطريق»، يرصد اتباتو كيف «تتناسل البركة». فالوليّ سيدي ياسين ينقل بركته إلى أرض بوعزة حيث يُدفن ويُبنى ضريحه، ثم إلى «خالي عدّي» الذي يصير حارسا لكراماته بحكم قرابته منه. هكذا يصبح الوليّ محورا يتنامى حوله نسيج المقدّس في حياته ومماته: البركة، والكرامة الصوفية، وتاغنجا، والقربان.
أما في «حرب البترول لن تقع» لسهيل بن بركة، فيتوقّف الكاتب عند لقطة موكب لأناس بلباس أبيض يتحرّكون في صمت، صيغةٌ تشي بخشوع الطواف والجنازة معا، وكلاهما طقس ينتمي إلى المقدّس الديني. كما يربط شخصية المجذوب في «السراب»، بما يعلّقه على عكازه من أثواب ملوّنة، بالشجرة المقدّسة المزيّنة بالخرق في المعتقد الشعبي، وبألوان «ملوك» الحضرة في الطقس الكناوي.
فيلم «الزفت» (1984) للطيب الصديقي كاملا، كما نشرته مؤسسة الطيب الصديقي على قناتها الرسمية.
خلاصة نقدية: تضخيم مكوّن على حساب امتدادات أخرى
لا يكتفي اتباتو بالرصد، بل يصوغ ملاحظة نقدية واضحة: إذا كانت الهوية الثقافية المغربية قائمة على التعدّد، وإذا كان الفيلم المغربي قد راعى إلى حدّ ما هذا الانتماء المتعدّد للمقدّس، فإنه في المقابل ضخّم المقدّس الإسلامي بتكثيف الاشتغال عليه، بما رسّخ هذا المكوّن في بناء الهوية على حساب محو امتدادات أخرى، أمازيغية وأسطورية وشعبية ويهودية ومسيحية.
ويختم الكاتب بأن المقدّس يحضر في الفيلم المغربي أثرا حينا واشتغالا واعيا حينا آخر، وغير واعٍ في أحيان كثيرة، وأن كثافة هذا الحضور تعكس قيمته في حياة الإنسان المغربي، الذي يتأسّس عمره على المرجعية المقدّسة في الولادة والموت وفي الرحلة بينهما. وهي أطروحة تكتسب راهنيتها اليوم، في زمن تعود فيه أسئلة الهوية والسيادة السردية إلى صدارة النقاش حول السينما المغربية، كما في أطروحة مومن السميحي عن «مجاعة الصور».
بطاقة الكتاب
- العنوان: السينما المغربية: قضايا الإبداع والهوية
- المؤلف: حميد اتباتو
- الطبعة: الأولى، 1999
- الطبع: سبينغراف، طنجة
- الإيداع القانوني: 1999/1389
الأفلام المذكورة في الدراسة
- «باب السما مفتوح» لفريدة بليزيد (1988)
- «باديس» (1989) و«للا حبي» (1997) لمحمد عبد الرحمن التازي
- «الزفت» للطيب الصديقي (1984)
- «حلاق درب الفقراء» لمحمد الركاب
- «السراب» لأحمد البوعناني
- «الحال» لأحمد المعنوني (1981)
- «الناعورة» للدرقاوي والكتاني
- «حرب البترول لن تقع» لسهيل بن بركة
- «نوح» لمحمد مزيان، و«سادتي عيساوة»
اقرأ أيضا في «نور»
- بين النقد والإبداع: حميد اتباتو يثري النقاش حول السينما المغربية بكتاب جديد
- السينما والكاثوليكية: من المنع الكنسي إلى خطاب الصورة
- نور الدين الصايل.. مسار محفوف بالإبداع والإصلاح في السينما المغربية
من شبكتنا
المصدر : https://nour.soubha.com/articles/i/98597789/almuqa...










