كثيراً ما تتحول المحادثات العادية إلى تبادل متقطع من الجمل، حيث ينتظر كل طرف دوره في الحديث دون أن يبني فعلياً على ما قاله الآخر. والسبب، بحسب باحثين في علم النفس، أن التواصل الطبيعي بين البشر أعقد بكثير مما يبدو، إذ نادراً ما نتوقف لنفكر في العناصر التي تجعل حديثاً ما ناجحاً وآخر مملاً أو مرهقاً.
ولعل أحد أبرز تجليات هذا الالتباس يظهر في لحظة إنهاء المحادثة. فقد رصدت دراسة نشرتها دورية Psychological and Cognitive Sciences التابعة لأكاديمية العلوم الأمريكية، حللت فيها قرابة ألف محادثة بين معارف مقربين وبين غرباء، أن الطرف الذي ينهي الحديث غالباً ما يفعل ذلك بينما يرغب الطرف الآخر في الاستمرار. ويفسر الباحثون ذلك بأن التعبير عن الرغبة في إنهاء حديث ما يحمل مخاطرة اجتماعية، فيميل الناس إلى إخفاء هذه الرغبة وانتظار لحظة مناسبة "لمغادرة" المحادثة دون إحراج أحد.
وفي هذا السياق، خلص الباحث آدم ماستريوني، وهو عالم نفس شارك في الدراسة السابقة، إلى أن كثيراً من متاعب المحادثة تنشأ من اختلال التوازن بين "العطاء" و"الأخذ": فبعض المتحدثين يكتفون بفتح المجال للطرف الآخر دون أن يضيفوا شيئاً، بينما يستحوذ آخرون على الحديث دون أن يتركوا فرصة لرد متأنٍّ. ويشبّه ماستريوني، في تدوينة له، المحادثة الجيدة بباب سهل الفتح، تحمل "مقابض" واضحة تسمح للطرف الآخر بمعرفة أين ومتى يمكنه المشاركة، بدل الانتقال العشوائي من موضوع إلى آخر.
كيف نفتح "أبواب" المحادثة؟
ميشيل تيليس ليدرمان، الرئيسة التنفيذية لشركة التدريب Executive Essentials ومؤلفة كتاب The Connector's Advantage، قدّمت في حوار مع موقع Big Think أربع استراتيجيات عملية لتحسين جودة الحديث اليومي.
1) اطرح سؤالاً تريد فعلاً معرفة إجابته: الأسئلة المفتوحة التي تدفع المحاور إلى الحديث عن نفسه أو آرائه أو خبرته هي الأكثر فاعلية، شرط أن تنبع من فضول صادق لا من مجرد ملء الفراغ. وتنصح ليدرمان بتجنّب الأسئلة المغلقة التي لا تحتمل سوى إجابة من كلمة واحدة، كما تحذّر من الإفراط في السؤال، لأن ذلك يحوّل الحديث إلى ما يشبه الاستجواب.
2) استمع بعمق قبل أن تقرر: هل تشارك أم تتابع الاستفسار؟ تقول ليدرمان إن على من يطرح سؤالاً ألا ينشغل بما سيقوله بعد ذلك، بل بما يقوله محدّثه فعلاً وإلى أين يمكن أن يقود ذلك الحديث. فإذا أثار الجواب فضولاً إضافياً، يمكن متابعته بسؤال أو سؤالين، أما إذا ظهرت فرصة لتبادل تجربة شخصية، فالأجدى اغتنامها لإظهار الإصغاء وترك مجال لرد الطرف الآخر أيضاً.
3) ابحث عن نقاط مشتركة: المحادثات الجيدة تقوم على قدر من الانكشاف المتبادل، إذ يحتاج كل طرف إلى مشاركة شيء عن نفسه وتقبّل أن يفعل الآخر الأمر ذاته. وتشير ليدرمان إلى أن أفضل وسيلة لبناء هذا التقارب هي البحث عن قواسم مشتركة، سواء في مكان النشأة أو الأهداف أو فلسفة العمل، حتى لو بدت هذه القواسم بسيطة في البداية. وتشير أبحاث أخرى استعرضها ماستريوني إلى أن الناس يبالغون عادة في تقدير مدى "الحرج" الذي قد تسببه محادثة عميقة مع شخص غريب، بينما تُظهر التجارب أن هذا النوع من الحديث يعزز الشعور بالتقارب أكثر مما نتوقع.
4) اختم الحديث بترك انطباع إيجابي: بما أن إنهاء المحادثة أصعب مما يبدو، تنصح ليدرمان بالتركيز أقل على الوقت وأكثر على ما تسميه "ذاكرة المزاج"، أي الشعور الذي يبقى لدى الطرف الآخر بعد انتهاء الحديث، حتى لو لم يتذكر تفاصيل ما قيل بالضبط. ولتفادي الإضرار بهذا الانطباع في اللحظات الأخيرة، تقترح اعتماد مخارج تعزز الرابطة بدل أن تقطعها فجأة، مثل الاتفاق على لقاء لاحق أو تبادل وسيلة للتواصل مستقبلاً، باعتبار أن أي محادثة، جيدة كانت أم لا، ليست سوى محطة واحدة ضمن علاقة أوسع يمكن البناء عليها لاحقاً.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98145594/arbaa-astr...










