يرى دارون عجم أوغلو أنّ النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي يحمل توقعات مرتفعة بشأن قدرته على إطلاق موجة جديدة من النمو، فيما لا تعكس المؤشرات الاقتصادية الراهنة مثل هذا التحوّل. يشير الاقتصادي، الحائز جائزة نوبل، إلى أنّ البيانات المتاحة عن الإنتاجية في الاقتصادات المتقدمة لا تُظهر حتى الآن قفزة ملموسة يمكن نسبها إلى النماذج اللغوية الكبيرة أو إلى موجة الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال الأعوام الأخيرة. ويعتبر أنّ هذا التباين بين الخطاب المتفائل والنتائج الفعلية يرتبط بخيارات توظيف التقنية داخل الشركات، أكثر مما يعكس حدودًا تقنية صرفة.
في حديثه ضمن برنامج صوتي صادر عن منصة «MIT Sloan Management Review» حول اقتصاديات الذكاء الاصطناعي، يشرح عجم أوغلو أنّ التقديرات المتداولة عن مكاسب هائلة في الناتج المحلي أو في الإنتاجية تميل إلى افتراض سرعة عالية في انتشار التطبيقات المربحة تجاريًا، في حين توحي قراءته للتجربة الجارية بأنّ نسبة المهام التي يمكن أن تُنفَّذ عبر الذكاء الاصطناعي بشكل مربح خلال العقد المقبل ستبقى محدودة. ويعرض تقديرًا محافظًا مفاده أن نحو خمسة في المئة فقط من المهام في الاقتصاد الأميركي قد تنتقل بشكل واقعي إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي خلال عشر سنوات، بما يوازي زيادة في الناتج لا تتجاوز نحو نقطة مئوية واحدة على امتداد هذه الفترة، مع مساهمة متواضعة في نمو الإنتاجية لا تزيد على بضعة أعشار من النقطة المئوية سنويًا.
من وجهة نظره، لا يُختزل دور الذكاء الاصطناعي في مدى قدرته على أتمتة العمليات القائمة، بل في نوع المهام التي يجري تصميم الأنظمة من أجلها. ويلاحظ أنّ جزءًا كبيرًا من الاستثمار الحالي يتركز على استخدام النماذج اللغوية لتجميع المعلومات، وصياغة ملخصات، وتوليد محتوى عام، بدل تطوير أدوات متخصصة تتكامل مع المهارات المهنية في قطاعات مثل الصحة والتعليم والخدمات الميدانية. هذا النمط في الانتشار، كما يراه، يميل إلى خدمة أهداف خفض الكلفة وتحسين هوامش الربح في الشركات الكبرى، من دون أن يتحول إلى قوة دافعة لابتكار وظائف جديدة أو توسيع قاعدة الطلب على العمل البشري عالي المهارة.
يقدّم عجم أوغلو مثالًا على ذلك من خلال المقارنة بين الاستخدامات المكتبية للأدوات العامة وبين ما يتطلبه عمل ممرضة أو معلّم أو فني صيانة من معرفة مرتبطة بمواقف دقيقة وقرارات آنية. فالمعلومات التي يمكن أن تولدها النماذج اللغوية في بيئة مكتبية قد تبدو مفيدة لتسريع إعداد التقارير أو الرسائل، لكنها في مهن تعتمد على خبرة ميدانية وعلى معرفة محلية وسياقية تحتاج، في رأيه، إلى أنظمة مصممة خصيصًا لدعم الحكم المهني لا لاستبداله. وهذا النوع من الأدوات المتكاملة، كما يقول، لم يحظ بعد بنفس مستوى الاستثمار والانتشار الذي تحققه التطبيقات الموجهة نحو الأتمتة العامة وتجميع البيانات.
في تحليله للنتائج المتوقعة على سوق العمل، يلفت عجم أوغلو إلى أنّ التوزيع المحتمل لمكاسب الذكاء الاصطناعي يميل إلى تعزيز موقع رأس المال والشركات المالكة للتقنيات على حساب الأجور ما لم تُعَد صياغة الحوافز الناظمة لعملية التطوير والنشر. ويذهب إلى أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لإحلال العمالة قد يؤدي إلى ضغوط على الأجور وفرص العمل، مع مكاسب إنتاجية جزئية تصب في نهاية المطاف في زيادة أرباح الشركات وفي تركّز القوة السوقية لدى عدد محدود من الفاعلين الكبار. في المقابل، يدافع عن مقاربة مختلفة ترى أنّ توجيه الاستثمارات وشكل التنظيم يمكن أن يدفع الشركات إلى تصميم أدوات ترفع إنتاجية العمال وتعزز مهاراتهم بدل اقتصادهم عن المعادلة.
ويعتبر عجم أوغلو أنّ التكنولوجيا ليست قدرًا مفروضًا، بل نتيجة لمسار من الاختيارات المؤسسية والتنظيمية والسياسية. ويستشهد في هذا السياق بتاريخ التحولات التقنية الكبرى، مشيرًا إلى أنّ أثرها على الإنتاجية وتوزيع الدخل لم يكن واحدًا في كل البلدان أو في كل الفترات التاريخية، بل ارتبط بأطر الحوكمة والسلوك التنظيمي ودور السياسات العامة. وبناءً على ذلك، يدعو إلى نقاش أوسع حول شكل البنية التنظيمية والقانونية التي ينبغي أن تحيط بتطوير الذكاء الاصطناعي، من مستوى الحوافز الضريبية والتنظيمية وصولًا إلى حقوق البيانات وقواعد المنافسة.
في قراءته للجدل الدائر حول «ثورة» الذكاء الاصطناعي، يتعامل عجم أوغلو بحذر مع الخطاب الذي يقدم التقنية بوصفها محركًا حتميًا لمرحلة جديدة من الازدهار. فهو يرى أنّ موجة الاهتمام الراهنة تنطوي على قدر من المبالغة التسويقية، سواء من جهات استثمارية تسعى لتبرير تقييمات مرتفعة، أو من شركات تعتمد على سردية التحول الشامل لتبرير تسارع الإنفاق على البنية التحتية الرقمية والعتاد. ويطرح في المقابل تصورًا يقوم على أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي ستعتمد على قدرة المجتمعات والشركات على صياغة نماذج استخدام تركز على دعم رأس المال البشري، لا على استبداله، وعلى توزيع أوسع لمكاسب الإنتاجية بدل تجميعها في قمة الهرم الاقتصادي.
ويمنح هذا الطرح حقل الصحافة الاقتصادية والتكنولوجية زاوية مختلفة لتناول ملف الذكاء الاصطناعي، إذ يفتح المجال لتقارير تستند إلى قياس فعلي لتطور الإنتاجية، وإلى متابعة لاختيارات التصميم والتنظيم داخل الشركات ومراكز القرار. كما يوفر أساسًا لطرح أسئلة تتجاوز تقييم قوة النماذج من الناحية التقنية، نحو تتبع أثرها على جودة العمل، واستقرار الوظائف، وتوزيع الفرص بين القطاعات والطبقات الاجتماعية. وفي هذا الإطار، تبدو مداخلات عجم أوغلو دعوة إلى ربط ملف الذكاء الاصطناعي بنقاش أوسع حول نموذج النمو الاقتصادي ذاته، لا اعتباره مجرد طبقة جديدة من الأدوات تُضاف إلى بنية قائمة من دون مراجعة.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...

المرحلة الانتقالية العربية بين انتكاسة الديمقراطية وضغط المصالح الدولية
