تقدّم مقابلة صحيفة لوموند مع كارلوس إتشيفيريا خيسوس أزمة سبتة الأخيرة بوصفها دليلاً إضافياً على «طموحات ترابية» مغربية وعلى استخدام الرباط الهجرة أداةً من أدوات «الحرب الهجينة». غير أن هذا التأطير، رغم ما يبدو فيه من لغة تحليلية، ينطوي على اختزال سياسي واضح: فهو يحوّل آلاف الشباب والمهاجرين إلى مجرد أدوات في يد دولة، ويستبعد من المشهد تاريخ الاحتلال، ومقتضيات القانون الدولي، والأزمة الاجتماعية التي تدفع الناس إلى المخاطرة بحياتهم.
من يملك حق تعريف الأزمة؟
يتحدث الباحث الإسباني عن سبتة ومليلية باعتبارهما «مدينتين أوروبيتين وديمقراطيتين»، ويستحضر نموذج التعايش بين الطوائف في المدينتين. لكن هذه اللغة تتجنب سؤالاً أكثر جوهرية: كيف أصبحت مدينتان على الساحل المغربي جزءاً من المجال السيادي الإسباني أصلاً؟
لا يتعلق الأمر هنا بإنكار الواقع الإداري القائم أو تجاهل تعقيدات العلاقات المغربية الإسبانية، بل برفض تقديم هذا الواقع باعتباره حقيقة تاريخية وقانونية نهائية لا تقبل النقاش. فسبتة ومليلية، إلى جانب الجزر والصخور الواقعة قبالة الساحل المغربي، تظل موضوعاً سياسياً وسيادياً مفتوحاً في الذاكرة الوطنية المغربية، ولا يصح اختزاله في «نزعة توسعية» مستجدة لدى الرباط.
إن وصف مطالبة المغرب بهذه المناطق بأنها تعبير عن «طموحات ترابية» يحمل حكماً مسبقاً: إسبانيا تظهر بوصفها صاحبة وضع طبيعي ومستقر، بينما يُصوَّر المغرب كدولة تسعى إلى تغيير الحدود. غير أن النقاش الأكثر إنصافاً يقتضي الاعتراف بأن الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية ليست دائماً محايدة ولا نهائية، وأن الدفاع عن السيادة الوطنية لا يساوي بالضرورة التهديد أو العدوان.
الهجرة ليست مجرد «سلاح»
أكثر ما يثير التحفظ في المقابلة هو تفسير تدفقات المهاجرين، ولا سيما الشباب المغربي، باعتبارها أداة ضغط مغربية شبه تلقائية. قد يكون للدول، بلا شك، دور في تدبير الحدود أو تخفيف الرقابة أو تشديدها وفق حساباتها الدبلوماسية؛ وهذه مسألة مشروعة للنقاش والتحقيق. لكن القفز من ذلك إلى تقديم عشرات الآلاف من البشر ككتلة تُحرَّك بقرار سياسي واحد هو تبسيط مخلّ.
الشاب الذي يتجه نحو سبتة لا يفعل ذلك لأن الجغرافيا السياسية وحدها أمرته. خلف قراره بطالة، وتفاوت اجتماعي، وإحساس بالانسداد، وأحلام بالهجرة، وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي، وصور متداولة عن إمكان العبور والإقامة في أوروبا. إن تجاهل هذه العوامل يجعل التحليل مريحاً للسلطات الأوروبية: فبدلاً من مساءلة سياسات التأشيرة والهجرة والتنمية غير المتكافئة، يجري تحميل بلد المنشأ وحده مسؤولية الظاهرة.
والأخطر أن وصف الهجرة بـ«الحرب الهجينة» يحوّل الإنسان إلى خطر أمني قبل أن يُنظر إليه كصاحب حق وكرامة. هذا الخطاب يبرّر المزيد من العسكرة على الحدود، ويهمّش واجب الإنقاذ والحماية القانونية، ويغذي تصورات تتعامل مع جنوب المتوسط باعتباره مصدراً دائماً للتهديد.
انتقائية في قراءة العلاقات المغربية الإسبانية
تربط المقابلة بين أزمة سبتة وملف الصحراء، وتلمّح إلى أن المغرب يرسل «رسائل» إلى مدريد لحملها على تبني مواقف أكثر تعاوناً. لكن العلاقة بين البلدين أعقد من معادلة الابتزاز والضغط. فهي تشمل الاقتصاد والتبادل التجاري ومكافحة الإرهاب والتعاون الأمني وحركة الأشخاص، فضلاً عن ملفات الذاكرة والحدود والمجال البحري.
كما أن وضع ملف الصحراء في صلب كل أزمة حدودية قد يخدم سردية إسبانية تُعيد تصوير المغرب باعتباره طرفاً لا يفهم إلا بمنطق المقايضة. والحال أن الموقف المغربي من الصحراء يستند، في تصوره الوطني، إلى قضية وحدة ترابية مركزية وإلى مقترح للحكم الذاتي يقدمه باعتباره حلاً سياسياً واقعياً. يمكن الاعتراض على هذا التصور أو مناقشته، لكنه لا يبرر تلقائياً إسقاط تهمة «التوسع» على كل تحرك دبلوماسي أو توتر حدودي.
كذلك، فإن الحديث عن تغيّر محتمل في الحكومة الإسبانية المقبلة، وربط الأزمة برغبة المغرب في «تأديب» القادة الحاليين أو المستقبليين، يبقى فرضية سياسية لا دليلاً قاطعاً. وكان من الأجدر بالمقابلة الفصل بوضوح بين الوقائع الموثقة والتأويلات التي تعكس موقف الخبير وخلفيته المؤسسية.
«أوروبا الديمقراطية» وحدود الاستثناء
تصف المقابلة سبتة ومليلية بأنهما جزء من أوروبا الديمقراطية، لكن هذه الديمقراطية تُختبر تحديداً عند الحدود. فهل تصبح الحدود ديمقراطية حين يُعامل العابرون إليها بوصفهم تهديداً جماعياً؟ وهل يكفي التعايش المحلي بين مكونات المدينة لإغفال واقع الحواجز والأسلاك والمراقبة والتمييز المحتمل في التنقل والفرص؟
لا ينبغي أن يكون الدفاع عن أمن السكان في سبتة أو مليلية موضع اعتراض؛ فمن حق الجميع العيش في أمان. لكن الأمن لا ينبغي أن يكون ذريعة لإسكات الأسئلة التاريخية والسياسية، ولا لتجريد المهاجرين من فرديتهم وإنسانيتهم. فالمقاربة الناجعة لا تقوم على تحويل المتوسط إلى خندق، بل على تعاون عادل يعالج أسباب الهجرة، ويحترم الحقوق، ويعترف بحساسية الملفات السيادية دون لغة التخوين أو الاستعلاء.
نحو سردية أكثر توازناً
تكشف مقابلة لوموند عن زاوية نظر إسبانية مألوفة: المغرب قوة ضاغطة، وسبتة فضاء أوروبي هش، والهجرة أداة تهديد. لكن هذه السردية لا تكفي لفهم الأزمة، لأنها تحجب ثلاثة عناصر حاسمة: التاريخ الاستعماري للمناطق المتنازع عليها، والمسؤولية المشتركة عن مأساة الهجرة، وحق المغرب في طرح قضاياه السيادية عبر الوسائل السياسية والقانونية.
إن نقد الخطاب المغربي أو مساءلة سياساته أمر مشروع وضروري، تماماً كما أن مساءلة إسبانيا والاتحاد الأوروبي واجب لا يقل مشروعية. أما التحليل الجاد، فلا يبدأ من افتراض أن أحد الطرفين هو مصدر المشكلة وحده، بل من الاعتراف بأن سبتة ليست مجرد «ثغرة أمنية» أوروبية، وأن المهاجرين ليسوا بيادق، وأن المتوسط لن يستقر بسرديات أحادية الجانب.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97621491/a...










