منذ خروجه من برنامج مسابقة الطبخ التلفزيوني، أعاد نيك ديجيوفاني تشكيل حضوره العام ليغدو من أبرز الطهاة الرقميين على منصة يوتيوب، حيث بات يُقدَّم اليوم بوصفه صاحب أكبر قناة متخصصة في المحتوى الغذائي على الموقع، وفق توصيف موقع الترفيه الأمريكي TheWrap الذي خصّه بحوار مطوّل ضمن سلسلة مخصصة لصنّاع المحتوى التلفزيوني والرقمي. ويكشف هذا المسار عن انتقال تدريجي من تجربة تلفزيونية تقليدية إلى منظومة إعلامية رقمية متنوعة، تجمع بين الفيديو القصير والطويل، والعلامات التجارية، والمنتجات الاستهلاكية، مع تركيز متزايد على فكرة المسؤولية تجاه الجمهور بدل الاكتفاء برقم المتابعين أو المشاهدات.
في هذا الحوار، يبدو ديجيوفاني حريصاً على تقديم نجاحه على يوتيوب باعتباره عبئاً مهنياً يتطلب حذراً في اختيار الموضوعات وطريقة سردها البصرية، لا مجرد إنجاز رقمي قابل للاحتفال السريع. فمع وصوله إلى موقع «أكثر صانع محتوى طبخ متابعة على يوتيوب»، لم يعد يقارب الفيديو بوصفه تجربة فردية بسيطة، بل باعتباره جزءاً من منظومة عمل تشمل فريقاً للإنتاج والتحرير والتخطيط، إضافة إلى شبكة واسعة من التعاون مع أسماء معروفة في الفضاء الرقمي، ما يفرض عليه، وفق ما يلمح إليه في الحوار، التفكير في تأثير كل تجربة طهو أو تحدٍّ غذائي على المتلقي، خصوصاً الفئات الأصغر سناً.
يستعيد ديجيوفاني في المقابلة ملامح بداياته بين التلفزيون والمنصات الرقمية، مشيراً إلى أن دخوله عالم الشهرة جاء عبر مشاركته في برنامج مسابقات الطبخ، ثم استثماره لهذه النقطة كمنصة انطلاق نحو صناعة محتوى مستقل على يوتيوب وتيك توك وغيرها. ومع مرور الوقت، انتقل من مجرد إعادة إنتاج وصفات أو تجارب طهو مألوفة إلى صياغة فيديوهات تعتمد على مفاجأة المشاهد، مثل الأطباق الضخمة أو التحديات المبالغ في حجمها، وهي وصفة باتت مألوفة في اقتصاد الانتباه، غير أنه يقدّمها هنا على أنها نتيجة عملية مستمرة من التجريب والاختبار لا تنفصل عن شغفه بالطبخ نفسه.
اللافت في صورة ديجيوفاني كما ترسمها المقابلة أنه لا يكتفي بدور الطاهي أو «اليوتوبر»، بل يميل إلى تقديم نفسه كصاحب مشروع تجاري متكامل، يتوزع بين قناة رئيسية على يوتيوب، ومحتوى قصير يحقق مليارات المشاهدات، ومنتجات غذائية تحمل اسمه، فضلاً عن شراكات إعلانية مع علامات معروفة. هذا التكوين يجعله أقرب إلى نموذج «رائد الأعمال الإعلامي» الذي يوظف المحتوى لبناء علامة شخصية، ثم يحوّل هذه العلامة إلى شركة لها منتجات وسردية تسويقية قائمة على شخصيته وحضوره أمام الكاميرا. ومع ذلك، يؤكد في حديثه أن توسيع هذا النشاط يزيد من الشعور بالمسؤولية، لا سيما في ما يتعلق بسلامة الوصفات، وصورة الطعام، والرسائل الضمنية المرتبطة بالاستهلاك والإسراف في بعض العروض البصرية.
تمنح المقابلة كذلك لمحة عن الطريقة التي باتت بها عملية إنتاج فيديو واحد تمر بعدة طبقات من التخطيط، بدءاً من اختيار الفكرة، وصياغة «الخطّاف» الأول الذي يجذب المشاهد في الثواني الأولى، ثم هندسة الإيقاع البصري بين لقطات سريعة وحركات كاميرا مدروسة، وصولاً إلى المونتاج النهائي الذي يراعي اختلاف تفضيلات الجمهور بين المنصات. ويتقاطع هذا التصور مع ما يرويه أفراد من فريق عمله في حوارات أخرى عن الاعتماد على اختبارات مكثفة للصورة المصغّرة للفيديو والعناوين والنسخ القصيرة، بما يعكس وعياً متزايداً ببنية خوارزميات المنصات وكيفية التعامل معها دون التضحية بجوهر المحتوى.
ولا يغيب عن حديث ديجيوفاني البعد الشخصي المرتبط بهذه المسيرة؛ إذ يلمّح إلى ثمن الشهرة السريعة، من ضغوط تنظيم الوقت بين التصوير والسفر وإدارة الفريق، إلى الحنين إلى المراحل الأولى عندما كان العمل أكثر عفوية وأقل ارتباطاً بالتوقعات العالية لدى الجمهور والرعاة. كما يقرّ بأن الوصول إلى هذه المرحلة يفرض إعادة تقييم مستمرة للخطوات المقبلة، من نوعية المشاريع التي يمكن خوضها إلى حدود التوسّع في المنتجات، حتى لا يتحول حضور الطاهي الرقمي إلى علامة تجارية منفصلة تماماً عن جذوره المهنية في عالم الطبخ. في المحصلة، ترسم المقابلة صورة صانع محتوى يتعامل مع أرقام المشاهدات والإنجازات القياسية بوصفها نقطة انطلاق إلى نقاش أوسع حول معنى النجاح في اقتصاد المنصات، وحدود التوازن بين الإبداع، والتجارة، والمسؤولية تجاه جمهور متزايد الاتساع عبر العالم.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/cultures/i/95981215/msyr-n...