تنظّم أكاديمية المملكة المغربية مائدة مستديرة مخصّصة لاستعادة الإرث الفكري المشترك لكلّ من البابا يوحنا بولس الثاني والملك الراحل الحسن الثاني في مجال الحوار بين الأديان. وذلك في سياق تخليد مرور أربعة عقود على الزيارة التي قام بها الحبر الأعظم إلى المغرب بدعوة من العاهل المغربي سنة 1985. هذه كانت سابقة اعتُبرت الأولى من نوعها لاستقبال رئيس دولة مسلمة لرأس الكنيسة الكاثوليكية. ويأتي هذا الاجتماع العلمي والفكري، الذي تحتضنه الرباط، امتدادا لمسار طويل من التفاعل الدبلوماسي والروحي بين المغرب والكرسي الرسولي، قائم على استثمار الرمزية التاريخية لتلك الزيارة في قراءة التحديات الراهنة المرتبطة بالحوار بين الأديان والتعايش بين المعتقدات.
الندوة ستجمع باحثين وخبراء وشخصيات دينية ودبلوماسية لمناقشة الأبعاد المتعددة لتجربة الرباط والفاتيكان في إدارة الاختلاف الديني وتوظيف المرجعية الروحية في خدمة الاستقرار والسلم. من المرتقب أن تنطلق أشغالها صباح الخامس والعشرين من مارس، مع تسليط الضوء على الدلالات السياسية والثقافية لخطاب البابا يوحنا بولس الثاني الموجّه إلى الشباب في ملعب الدار البيضاء خلال زيارته التاريخية. وما رافقها من مظاهر استقبال رسمية وشعبية رسّخت صورة المغرب بوصفه فضاء يتقبّل الحوار مع الآخر الديني دون مساس بخصوصيته العقائدية.
يستند المنظمون، في اختيار محور إرث الحسن الثاني والبابا الراحل، إلى اعتبار تلك المرحلة محطة تأسيسية في رسم ملامح مقاربة مغربية منفتحة تجاه الفاتيكان. بعد ذلك، انتقلت من بعدها البروتوكولي إلى صيغة أوضح من الشراكة الرمزية، ثم المؤسسية، مع تطوّر العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين خلال العقود اللاحقة. قبل أن تأخذ زخما جديدا مع زيارة البابا فرانسيس إلى الرباط سنة 2019 وما رافقها من بيانات مشتركة حول حماية الحريات الدينية والاهتمام بأوضاع المهاجرين. ويُنتظر أن تعيد المائدة المستديرة قراءة هذا المسار المتدرج، من خلال ربطه بالسياق الدولي الراهن الذي يعرف تصاعد خطابات الاستقطاب والهويات المغلقة، وما يفرضه ذلك من استحضار تجارب سابقة في بناء جسور الثقة بين المرجعيات الروحية المختلفة.
هذا الموعد الفكري يتقاطع مع مساعٍ مغربية متواصلة في المحافل الأممية لتعزيز مقاربة تعتبر مكافحة خطاب الكراهية جزءا من حماية حقوق الإنسان. حيث عملت الرباط، عبر بعثتها لدى الأمم المتحدة في جنيف، على الترويج لوثائق مرجعية من قبيل خطة عمل الرباط وخطة عمل فاس للقادة الدينيين، مع تنظيم مؤتمرات برلمانية ودولية حول الحوار بين الأديان خلال السنوات الأخيرة. هذا ما يمنح لقاء أكاديمية المملكة بعدا إضافيا يتمثل في ربط النقاش النظري بممارسات دبلوماسية جارية على الأرض. وفي هذا الإطار، يندرج استحضار فكر الحسن الثاني والبابا يوحنا بولس الثاني بوصفه مرجعية يمكن الاستناد إليها لتدعيم شرعية هذا التوجه في الرهانات الجديدة المرتبطة بالأمن الروحي ومواجهة النزاعات ذات الخلفية الدينية.
ومن المنتظر أن تتناول المداخلات جوانب متعدّدة من شخصية كل من الملك الراحل والحبر الأعظم الراحل. ستقف عند تصوّرهما لدور الدين في المجال العام، وحدود التداخل بين المرجعية العقدية ومتطلبات الدولة الحديثة. سيتم استحضار نصوص وخطابات سابقة صيغت في لحظات أزمات دولية وإقليمية، وتضمّنت إشارات إلى ضرورة تجاوز منطق المواجهة بين أتباع الديانات الإبراهيمية. كما سيجري التطرّق إلى كيفية انتقال تلك الرؤية من مستوى النوايا إلى صيغ أكثر مؤسسية. سيتم بناء قنوات تشاور منتظمة بين الرباط والكرسي الرسولي، واستثمار مكانة العاهل المغربي بصفته أميرا للمؤمنين، وما تحمله من دلالة رمزية في العالم الإسلامي، في ترسيخ خطاب يربط الدفاع عن الهوية الدينية باحترام التعدّد بدل الانغلاق.
اختيار أكاديمية المملكة فضاء لاحتضان هذه المائدة المستديرة، ويعطي إشارة إضافية إلى رغبة القائمين عليها في إسناد النقاش حول الحوار بين الأديان إلى مؤسسة بحثية ذات امتداد أكاديمي. وهذا يتيح الانفتاح على مقاربات العلوم الاجتماعية والقانونية والسياسية في تحليل التجربة المغربية – الفاتيكانية، بدل حصرها في بعدها الديني. ومن خلال الجمع بين شهادات فاعلين سابقين في هذا المسار وتحليلات باحثين معاصرين، يهدف اللقاء إلى إعادة ترتيب المواد التاريخية المتصلة بزيارة 1985 وما تلاها، وتحويلها إلى مادة تفكير يمكن أن تُستثمر في بلورة مبادرات مشتركة جديدة بين الرباط وروما، سواء على المستوى الثنائي أو داخل المنتظمات الدولية المعنية بالحوار بين الأديان.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95577330/lkaaa-balrb...


