‎عيد “مهافيرا جايانتي” في الذاكرة الدينية الهندية وزمن التقويمات المعاصرة


Rédigé le الثلاثاء 31 مارس 2026 à 08:49 | Lu 0 commentaire(s)



يوافق يوم 31 مارس في بعض السنوات احتفال أتباع الديانة الجاينية بعيد “مهافيرا جايانتي”، وهو العيد الذي يحيي ميلاد مهافيرا، التيرثنكارا الرابع والعشرين والأخير في تقليد الجاينية، ويُنظر إليه بوصفه شخصية محورية أسهمت في بلورة ملامح هذه الديانة الهندية القديمة وترسيخ مبادئ اللاعنف والزهد وضبط النفس. وتربط الذاكرة الدينية الجاينية ميلاده بالقرن السادس قبل الميلاد، في سياق تاريخي شهد أيضاً بروز تيارات فكرية موازية مثل البوذية وبعض المدارس الفلسفية الهندية الأخرى، ما يجعل هذا العيد نقطة تقاطع بين السرديات الدينية والتاريخ الاجتماعي لشمال الهند.  



في التقويم الجايني والهِندي، يُحتفل بمهافيرا جايانتي في اليوم الثالث عشر من نصف الشهر القمري المضيء من شهر “تشيترا”، وهو توقيت يتحرك سنوياً بين مارس وأبريل في التقويم الميلادي نتيجة لاختلاف البنية الزمنية بين التقويم القمري والتقويم الشمسي. أما في التقويم الغريغوري المتداول عالمياً، فيُحدد العيد سنوياً وفق الحسابات الفلكية المرتبطة بالتقويم الهجري الهندي، ما يجعل تاريخه متغيراً، وإن كان يتقاطع في الغالب مع بداية فصل الربيع في نصف الكرة الشمالي. هذا التداخل بين تقويم ديني–ثقافي محلي وتقويم عالمي مدني يعكس كيف تتحرك الأعياد التقليدية داخل زمن معولم من خلال آليات الترجمة الزمنية بين الأنظمة المختلفة.  

يرتبط هذا العيد برواية دينية تعتبر مهافيرا المعلّم الذي اختتم سلسلة التيرثنكارات، أي منشقّي “المعابر الروحية”، والذين يُنظر إليهم في الجاينية بوصفهم من دلّوا الإنسان على طريق التحرر من دورة الميلاد والموت. وتستحضر الروايات الجاينية ميلاد مهافيرا مصحوباً بعلامات فأل، وتعتبر حياته نموذجاً للتجرد من التملك والعنف والتعلّق، وهي قيم تُعاد قراءتها في السياق المعاصر باعتبارها خطاباً أخلاقياً يمكن أن يخاطب قضايا مثل عنف الحياة اليومية والاستهلاك المفرط والتوتر البيئي. لذلك يتحول اليوم الاحتفالي من مجرد ذكرى ميلاد شخصية روحية إلى مناسبة لإعادة طرح أسئلة أخلاقية على المجتمع الجايني والهندي عموماً.  

في الممارسة الدينية، يتجه المحتفلون إلى المعابد الجاينية حيث تُقام طقوس الاستحمام الرمزي لتمثال مهافيرا بالماء والعطور، في إشارة إلى تطهير النفس واستعادة البدايات الروحية الأولى. يتبع ذلك الاستماع إلى الخطب وقراءة النصوص الجاينية التي تستعرض تعاليمه، إضافة إلى الصوم وأعمال الإحسان وتقديم المساعدات للفقراء ورعاية الحيوان، انسجاماً مع مبدأ اللاعنف الذي يعد محوراً مركزياً في الجاينية. هذه الأبعاد الطقسية تندرج في إطار مشترك مع أديان أخرى في جنوب آسيا حيث تتقاطع فكرة ميلاد الشخصية المقدسة مع ممارسات التطهير والصدقة وإعادة توكيد الهوية الجماعية حول سردية مشتركة.  

من منظور تقويمي وثقافي أوسع، يقدم عيد مهافيرا جايانتي مثالاً على كيفية استمرار التقويمات الدينية في إنتاج زمنها الخاص داخل عالم يتبنى في الغالب التقويم الميلادي كمرجع مدني. ففي حين يقرأ غير المنتمين للجاينية هذا اليوم رقماً ثابتاً في نهاية مارس، يبقى معناه الحقيقي داخل المجتمع الجايني مرتبطاً بدورة الأشهر القمرية، وبالذاكرة الشفوية والنصية التي تكرّس صورة مهافيرا كرمز للتحرر الأخلاقي والروحي. في هذا التعدد الزمني تتجاور لحظة دينية عميقة الجذور مع إيقاع الحياة الحديثة، ما يفتح أمام الباحثين والصحفيين مجالاً خصباً لقراءة الأعياد الدينية كظواهر زمنية وثقافية في آن واحد.




المصدر : https://www.soubha.com/calendrier-religions/i/9572...


: في نفس القسم