‎الذاكرة والجريمة في رواية عن الجزائر


Rédigé le السبت 11 أبريل 2026 à 20:45 | Lu 0 commentaire(s)



تقدّم رواية «أغالب مجرى النهر» للكاتب الجزائري سعيد خطيبي عملاً سردياً يدور في مدينة بوسعادة الجزائرية، حيث تتقاطع حكايات أفراد من عائلة واحدة مع تحولات عامة شهدتها البلاد على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين حتى بدايات التسعينيات.  تنطلق الحبكة من التحقيق مع طبيبة عيون متهمة بقتل زوجها، وتتوزع مساراتها بين مشرحة وعيادة وغرفة تحقيق، بينما تنعقد في مكان آخر من المدينة اجتماعات لمجموعة من المناضلين القدامى الذين يسعون إلى تبرئة أسمائهم من تهم العمالة التي وُجّهت إليهم خلال سنوات سابقة.  يتقدّم السرد عبر خيوط متوازية تجمع المتهمة بوالدها المناضل السابق، لتنكشف تدريجياً علاقة الماضي النضالي بالعقد العائلية والخيارات الشخصية، في بنية تقوم على استجواب الذاكرة بقدر ما تستجوب الشرطة الأفراد.



تحاول الرواية أن تؤرّخ، من خلال مصائر شخوصها، لمرحلة واسعة من تاريخ الجزائر تمتد من زمن الحرب العالمية الثانية إلى السنوات الأولى من عقد التسعينيات، مروراً بفترة حرب التحرير وما تلاها من استقلال وبناء للدولة الوطنية.  لا تعيد الحكاية إنتاج صورة بطولية جاهزة عن تلك المراحل، بل تشتبك مع الأسئلة المعلّقة حول جدوى التضحيات، وموقع المناضلين في الخرائط اللاحقة، وكيفية تداول الاتهامات بالخيانة والعمالة بوصفها جزءاً من الصراع على سردية التاريخ.  من خلال هذه المقاربة، تتحول الذاكرة الجماعية إلى ميدان مفتوح للمراجعة، فتبدو الأرشيفات الرسمية غير كافية لتفسير ما جرى، فيما تستعيد الشخصيات تفاصيلها الشخصية لتقدّم رواية موازية لما كُتب في الوثائق والخطب.

على المستوى الإنساني، تشتغل الرواية على توتر العلاقات داخل الأسرة الواحدة، وخاصة بين الآباء والأبناء، حيث يظهر تباين واضح بين جيل خاض تجربة الكفاح المسلح وجيل وُلد في زمن الاستقلال ويقارب الواقع بأدوات مختلفة.  تتبدى هذه الفجوة في نظرة المتهمة إلى والدها، وفي الطريقة التي يتعامل بها مع تاريخه الشخصي حين يجد نفسه مطالباً بالدفاع عن نفسه وعن ابنته في آن واحد، فينقلب السؤال من البحث عن «الخيانة» السياسية إلى مساءلة أشكال الغياب داخل البيت والخيارات التي حكمت مسارات الأفراد.  وتُستدعى في هذا السياق أيضاً موضوعات الفراغ العاطفي داخل الزواج، واللجوء إلى علاقات موازية أو سرّية، بما يربط بين الانكسارات الخاصة والتحولات العامة التي عرفها المجتمع.

يتخذ عنصر الجريمة، ممثلاً في مقتل الزوج، موقعاً محورياً في بناء الرواية، إذ يمنح السرد طابعاً تحقيقياً يتيح الانتقال بين أزمنة متعددة وشهادات متباينة حول الحادثة الواحدة.  وتُستثمر مهنة البطلة كطبيبة عيون تعمل على نقل القرنيات من جثث الموتى إلى الأحياء، لتقترح الرواية طبقات رمزية تتصل بفكرة استعارة النظر من الماضي لإعادة رؤية الحاضر، وبالجدل الأخلاقي حول الحدود الفاصلة بين إنقاذ الحياة وتجاوز القواعد القانونية أو الأخلاقية.  هكذا يتحرك النص بين تفاصيل الطب الشرعي وإجراءات التحقيق الرسمية والأسئلة الفلسفية حول الجسد وملكيته، من دون أن يغادر إطار حكاية عائلية تبدو في ظاهرها كقضية جنائية عادية.

تمنح بنية الانتظار بعداً آخر للعمل، إذ تظل شخصيات عديدة معلّقة على وصول صحافي من العاصمة يُنتظر أن يسهم في كشف حقيقة الاتهامات وتنظيم شهادات المناضلين، فيجد القارئ نفسه أمام عالم يتأرجح بين أمل غير مكتمل ويأس غير حاسم.  يتجاور في هذا العالم من حُرموا حريتهم خلف جدران السجن مع من يقيمون في أحياء شعبية تراقب ما يجري من بعيد، في حين تبقى المدينة نفسها خلفية تتراكم فيها آثار العنف وأسئلته من دون حسم نهائي.  بهذه العناصر مجتمعة، ترسم «أغالب مجرى النهر» لوحة روائية تسعى إلى قراءة التاريخ الحديث للجزائر عبر مصائر أفراد يجدون أنفسهم أمام سلطة التحقيق وسلطة الذاكرة في آن واحد، معتمدة على إيقاع سردي يتدرج من الجريمة الفردية إلى الأسئلة الأوسع حول معنى العدالة ومسؤولية الأجيال المتعاقبة.




المصدر : https://www.alkhabar.ma/cultures/i/95981694/althak...


: في نفس القسم