في ليلة باردة من ديسمبر عام 1926، اختفت الروائية البريطانية الشهيرة أغاثا كريستي دون أن تترك سوى سيارتها المهجورة ورخصتها وبعض الملابس. لم تكن هذه بداية لرواية جديدة، بل لفصل حقيقي وغامض عاشه ملايين البريطانيين بقلق وترقّب، فيما كانت الصحافة تنهش القصة، والشرطة تُفتّش، والجمهور يلهث خلف كل خيط ممكن في قضية بدت وكأنها من نسج خيالها الأدبي.
لمدة أحد عشر يومًا، أصبحت أغاثا كريستي — المرأة، والأديبة، والشخصية العمومية — لغزًا حقيقياً أمام الرأي العام. المثير في الأمر هو التفاعل الواسع وغير المسبوق: تدخل البرلمان، استدعاء طائرات وغطّاسين، بل وحتى استعانة الكاتب صاحب “شارلوك هولمز”، آرثر كونان دويل، بوسيط روحي، في ما يبدو أنه محاولة شبه يائسة لفهم ما لا يُفهم.
وعندما ظهرت كريستي أخيرًا، لم تكن في حالة يُمكن تفسيرها بسهولة. كانت تقيم في فندق فاخر في مدينة هاروغيت تحت اسم مستعار، هو اسم عشيقة زوجها، ما أضفى مزيدًا من الرمزية والتأويل على الحادثة. تعاملت الصحافة مع الحدث كفضيحة، فيما رآه البعض فعل انتقام عاطفي، وآخرون اعتبروه انهيارًا نفسياً، أو حتى وسيلة ذكية للاختباء من ضغط الشهرة والزواج المعطوب.
وفي السنوات الأخيرة، اعاد باحثون طرح القضية عبر وثائق جديدة تشير إلى أن كريستي كانت تتجول بهدوء في لندن، تشرب الشاي وتتسوّق، وكأنها في إجازة غير معلنة من حياتها اليومية. تلك الخيوط، على قلتها، أضافت مزيدًا من اللغز، لا وضوحًا. أما التفسير الأكثر قبولًا بين علماء النفس فهو أنها عانت لحظة انهيار عصبي حاد وفقدت خلالها مؤقتًا ذاكرتها أو إدراكها لهويتها.
ومع ذلك، فإن ما يجعل هذه القصة خالدة ليس فقط غموضها، بل صمت أغاثا كريستي عنها لاحقًا. لم تعلّق عليها أبدًا في سيرتها الذاتية، وكأنها أرادت أن تترك خلفها لغزاً لا يُحل، تمامًا كما تفعل في رواياتها. لقد كتبت أغاثا في تلك الأيام الغريبة حبكة حياتها الكبرى، وتركت لجمهورها ما لا يستطيع المحقق بوارو أو الآنسة ماربل حله: لغز أغاثا نفسها.
المصدر : https://alarabiya.articlophile.com/blog/i/93022329...