ألغى قاضٍ فيدرالي في واشنطن جزءاً أساسياً من التعديلات التي أدخلها البنتاغون على سياسته الخاصة بمنح الاعتماد للصحفيين، معتبراً أن هذه التعديلات لا تنسجم مع الضمانات الدستورية لحرية التعبير والإجراءات القانونية الواجبة، وذلك في إطار الدعوى التي رفعتها صحيفة نيويورك تايمز ضد وزارة الدفاع الأميركية بشأن القيود المفروضة على التغطية الصحفية لأنشطة الوزارة. ويأتي هذا التطور بعد أقل من شهرين على دفاع الوزارة عن سياستها المعدلة أمام القضاء، بوصفها محاولة لتحقيق توازن بين مقتضيات الأمن القومي واستمرار وصول وسائل الإعلام إلى مقر الوزارة.
تعود جذور القضية إلى الخريف الماضي عندما طبّق البنتاغون قواعد جديدة للوصول الصحفي، حلّت محل منظومة أكثر بساطة كانت تنظّم عمل المراسلين المعتمدين داخل مبنى الوزارة منذ سنوات. وفرضت القواعد المعدلة توقيع الصحفيين على نموذج مطوّل يتضمن تحذيراً من إمكان سحب بطاقاتهم إذا اعتُبروا «تهديداً أمنياً أو سلامياً»، استناداً إلى سلوكيات تشمل محاولات الحصول على معلومات توصف بأنها «حساسة» حتى لو كانت غير مصنفة سرياً. كما تضمّنت الوثائق الجديدة قيوداً على أساليب جمع الأخبار، من البحث عن مصادر داخل المبنى إلى توجيه الأسئلة لمسؤولين لا يتولون مهام ناطقين رسميين، ما اعتبرته الصحيفة المدعية تضييقاً على الدور التقليدي للصحافة في تجاوز البيانات الرسمية إلى روايات أوسع للسياسات العسكرية.
صحيفة نيويورك تايمز بادرت في ديسمبر 2025 إلى مقاضاة وزارة الدفاع ووزيرها بيت هيغسث، إلى جانب كبار المسؤولين عن الشؤون العامة في البنتاغون، مطالبة بإبطال البنود التي تمنح الإدارة قدرة واسعة على تعليق أو سحب بطاقات الاعتماد من دون مسوغات واضحة أو مسار تظلّم منصف. واعتبرت الصحيفة أن السياسة الجديدة تنتهك التعديل الأول من الدستور الأميركي الذي يحظر التمييز على أساس التوجه التحريري، كما تخالف مبادئ التعديل الخامس المتعلقة بالإجراءات القانونية الواجبة، إذ تمنح السلطات العسكرية سلطة تقديرية غير مقيّدة عملياً. وقد تسلّطت الأضواء على القضية داخل الأوساط الإعلامية بعد أن اختار عدد من المؤسسات الإخبارية التخلي عن اعتمادها بدلاً من القبول بالشروط الجديدة، ما أثار تساؤلات حول تأثير هذه السياسة على تنوّع التغطية من قلب المؤسسة العسكرية الأميركية.
في حكمه الصادر في 20 مارس 2026، رأى القاضي الفيدرالي بول فريدمان أن جوهر السياسة محل النزاع يتمثل في «فرز» الصحفيين اعتماداً على مدى توافقهم مع تصورات الوزارة، واستبدالهم بوسائل إعلام أكثر قبولاً لديها، معتبراً أن هذه النتيجة العملية تشكل تمييزاً على أساس وجهة النظر يخالف التعديل الأول. وخلصت المحكمة إلى أن منح المسؤولين سلطة تقديرية واسعة لإلغاء بطاقات صحفيين بسبب أنشطة مرتبطة بجمع الأخبار يضعف الحماية الدستورية لعملهم، ويفتح الباب أمام استخدام معايير الأمن القومي على نحو يُقصي التغطيات النقدية أو الاستقصائية. كما أمر القاضي بإعادة اعتماد عدد من صحفيي نيويورك تايمز الذين فقدوا بطاقاتهم في خضم النزاع على القواعد الجديدة، في إشارة إلى رفض المحكمة ربط استمرار الاعتماد بالقبول غير المشروط ببنود الوثائق المعدلة.
من جهة أخرى، جادلت وزارة الدفاع في مذكّراتها القانونية بأن السياسة التنظيمية المعدلة وضِعت للحيلولة دون سلوكيات قد تفضي إلى تعريض معلومات أمنية حساسة لخطر التسريب، مؤكدة أن الوثائق الجديدة تهدف إلى توضيح قواعد السلوك داخل المبنى وتوحيدها بدل تركها لاجتهادات متباينة. كما أشارت الوزارة إلى أنها أدخلت تعديلات على المسودة الأولى بعد جولات تشاور مع ممثلين عن المؤسسات الإعلامية، معتبرة أن ذلك يدل على استعدادها لمراعاة شواغل غرف الأخبار الكبرى وعدم استبعادها من فضاء التغطية اليومية لأعمال البنتاغون. إلا أن الحكم الأخير اعتبر أن هذه الاعتبارات، وإن كانت مشروعة من حيث المبدأ، لا تبرر القيود التي انتهت عملياً إلى استبعاد صحفيين بعينهم وفقاً لمحتوى تغطيتهم أو منهجهم التحريري.
انعكست أهمية القضية على مستوى أوسع من حدود النزاع بين مؤسسة إعلامية كبرى ووزارة الدفاع، إذ انضمت منظمات معنية بحرية الصحافة، مثل لجنة المراسلين من أجل حرية الصحافة، إلى الدعوى عبر مذكرات صديق للمحكمة حذّرت فيها من أن القواعد المتنازع عليها قد تضع نموذجاً يمكن أن يُستنسخ في مؤسسات حكومية أخرى. وأكدت هذه المذكرات أن منح الإدارات التنفيذية سلطة تقديرية واسعة في منح الاعتماد أو منعه على أساس سلوك مرتبط بالنشر أو بجمع الأخبار قد يؤدي إلى مناخ من الحذر الذاتي لدى الصحفيين، ويحدّ من قدرة الجمهور على متابعة قرارات متصلة بالسياسة الدفاعية والخارجية. وفي المقابل، أشار متابعون قانونيون في تحليلاتهم إلى أن الحكم يسهم في بلورة حدود أوضح للعلاقة بين اعتبارات الأمن القومي وحرية الوصول الصحفي إلى المؤسسات العسكرية، في وقت يتزايد فيه الاهتمام الدولي بعمليات القوات الأميركية في ملفات ساخنة مثل النزاع في إيران.
أعلنت وزارة الدفاع بعد صدور الحكم نيتها استئناف القرار أمام محكمة أعلى، مؤكدة أنها ترفض استنتاج المحكمة بشأن مخالفة السياسة للدستور، وأنها ستسعى إلى الدفاع عن صلاحياتها في إدارة الوصول إلى منشآتها بما تراه ضرورياً لحماية أمنها. في المقابل، رحبت نيويورك تايمز بالحكم واعتبرته تأكيداً على أن حق المؤسسات الإعلامية في طرح الأسئلة حول كيفية إدارة الحكومة والإنفاق العسكري لا يمكن ربطه بالتزام مسبق بالخطاب الرسمي، وأن الجمهور يعتمد على صحافة مستقلة للحصول على صورة أوسع من البيانات المعلنة. وبين مسار الاستئناف المرتقب وإمكانية صياغة سياسة معدلة جديدة، تبدو القضية مرشحة للاستمرار كاختبار قضائي وسياسي لمعادلة العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والسلطات العسكرية في الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/bulletin/i/95981050/hkm-kd...