☰

​العلمانية في كندا بين الحياد وإدماج المتدينين


الأربعاء 4 نونبر 2026 à 14:23 |




​ترى الباحثة القانونية جانيت إيب باكنغهام أن تنظيم العلاقة بين الدين والمجتمع العلماني يبدأ بتحديد مسؤوليات الدولة تجاه المعتقدات والممارسات الدينية، لا باعتبار العلمانية مفهوما واحدا متفقا عليه. وفي مقال نشره موقع لجنة حقوق الإنسان في أونتاريو ضمن عدد صيف 2012 من مجلة ديفرسيتي، تدافع عن مقاربة تتيح المشاركة الكاملة للمتدينين وغير المتدينين، مع منع خضوع الدولة لدين بعينه وصون حقوق مختلف الفئات.

وتربط باكنغهام، المتخصصة في الحرية الدينية وحقوق الإنسان والأستاذة المشاركة بجامعة ترينيتي وسترن، هذا النقاش بتحولات المجتمع الكندي. فبحسب قراءتها، تراجعت مرجعيته اليهودية المسيحية مع انتشار العلمانية منذ ستينيات القرن الماضي، ثم تسارع المسار مع إقرار ميثاق الحقوق والحريات عام 1982. وتعتبر أن تنامي الفردانية وتراجع المكانة الاجتماعية للانتماء الديني جعلا تبرير تلبية احتياجات المتدينين مسألة تحتاج إلى معالجة حقوقية واجتماعية.

وتستند حجتها إلى أن الدين يمثل لدى كثير من المؤمنين مكونا أساسيا للهوية والكرامة، وليس مجرد تفضيل شخصي. كما تستشهد بدراسات تربط التدين بالمشاركة المجتمعية والتبرع والعمل التطوعي وبعض مؤشرات الرفاه والحياة الأسرية. ومن هذا المنطلق، ترى أن إقصاء الانتماءات الدينية من المجال العام قد يحرم المجتمع من إسهامات أصحابها، بينما يتيح احترامها الاستفادة من تلك الإسهامات.

ولشرح اختلاف المقاربات، تعرض تصنيفا يستند إلى عمل نشره إيان بنسون عام 2000. فالعلمانية المحايدة، وفق هذا التصنيف، تمنع الدولة من دعم الدين بأي صورة، بينما تسمح العلمانية الإيجابية بتهيئة ظروف مواتية للأديان عموما دون تفضيل أحدها. أما العلمانية السلبية فتحد من اختصاص الدولة بالشؤون الدينية وتمنع عرقلتها للممارسات التي لا تهدد الصالح العام. ويقوم التصور الإدماجي على إشراك الجماعات الدينية وغير الدينية مشاركة كاملة دون هيمنة عقيدة محددة.

وتوضح قضية تشامبرلين ضد المنطقة التعليمية رقم 36 في سَري أثر هذه الاختلافات. فقد رفض مجلس مدرسي اعتماد ثلاثة كتب تصور أسرا ذات والدين من الجنس نفسه لاستخدامها في رياض الأطفال والصف الأول، بعد اعتراضات شملت متدينين وأشخاصا لم يعلنوا انتماء دينيا. وطعن معلمان وآخرون في القرار، معتبرين أنه استند إلى اعتبارات دينية، لتظهر خلال التقاضي قراءات متعددة لمقتضيات التعليم العلماني.

فقد رأت القاضية سوندرز أن القرار خالف اشتراط إدارة المدارس وفق مبادئ علمانية لتأثره القوي بالمعتقدات الدينية. لكن محكمة الاستئناف ألغت حكمها، واعتبر القاضي ماكنزي أن رفض فرض معتقد رسمي لا يستلزم استبعاد الدين من النقاش العام. وعندما بلغت القضية المحكمة العليا الكندية، أكدت الأغلبية أن مراعاة مخاوف الآباء الدينية تظل مشروطة بمنح بقية أفراد المجتمع اعترافا واحتراما متساويين، فلا تبرر استبعاد الأسر ذات الوالدين من الجنس نفسه.

وتبرز الدراسة أيضا اختلاف القاضيين لوبيل وغونتييه. فالأول رفض تأسيس سياسة مدرسية على معتقدات غير متسامحة مع الآخرين، دون إقصاء المعتقد الديني من المجال العام كليا. أما الثاني، في رأيه المخالف، فشدد على مسؤولية المجلس في مراعاة آراء الآباء، وعلى إمكانية استيعاب الخلافات الأخلاقية ما دامت لا تقوض العيش المشترك. وتربط باكنغهام هذا الموقف بالتصور العلماني الإدماجي الذي تتبناه.

وفي مجال الممارسات الفردية، تستشهد الكاتبة بحماية الميثاق لحرية الضمير والدين والمساواة أمام القانون، وبأحكام أيدت حق طالب سيخي في حمل الكيربان داخل المدرسة، وحق يهود أرثوذكس في إقامة منشآت مؤقتة على شرفاتهم للاحتفال بعيد العرش. وتعرض هذه الأمثلة بوصفها مؤشرات على اتساع الحماية القضائية للممارسة الدينية في القضايا التي تناولتها.

غير أن استيعاب تلك الممارسات قد يتقاطع مع حقوق أخرى. وتورد الدراسة تخصيص مدرسة فالي بارك المتوسطة في نورث يورك مكانا لصلاة الجمعة بإشراف إمام، وما رافقه من اعتراضات تتعلق باحتمال تفضيل دين معين وبمعاملة الفتيات. وتخلص باكنغهام إلى أن معالجة هذه الحالات لا تحتمل إجابات مبسطة، مقترحة اعتماد الإدماج نقطة انطلاق لإتاحة أوسع مساحة ممكنة للممارسة الدينية واحترام أهميتها لدى أصحابها.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98596630/alaalmany-f...


: في نفس القسم