☰

​السعديون والجزولية في صناعة الشرعية


الاثنين 5 أكتوبر 2026 à 22:54 |




تميّز النموذج السياسي والروحي الذي ارتبط بالدولة السعدية، في ظل الدعم الصريح للحركة الجزولية، بمرتكزات أيديولوجية وتنظيمية اختلفت عن أنماط الحكم التي سبقته في المغرب العربي، وخصوصاً الدولة المرابطية. فقد أعاد هذا النموذج تعريف مصدر الشرعية، ووسّع موقع البركة الصوفية داخل بنية الحكم، ومنح الزوايا أدواراً عملية في التعبئة وضبط المجال.

اعتمدت الدولة المرابطية على العصبية القبلية وعلى التمسك الفقهي الصارم بالمذهب المالكي. ووفرت هذه المرجعية أساساً لتثبيت السلطة وإدارة المجتمع، كما وضعت الممارسات والتأويلات الصوفية المبكرة خارج الإطار الذي تبناه الاتجاه الفقهي السائد. وبذلك ارتبطت مشروعية الحكم المرابطي بتحالف القوة القبلية والمرجعية المذهبية، فيما بقيت السلطة الروحية ذات الطابع الصوفي بعيدة عن مركز القرار السياسي أو في علاقة توتر معه.

في المقابل، جعلت الدولة السعدية من الشرف، بمعنى الانتساب إلى النسب النبوي، قاعدة أولى لشرعيتها السياسية والدينية. وقد أتاح هذا الأساس للسعديين تقديم حكمهم بوصفه قائماً على رابطة سلالية ذات مكانة دينية، لا على العصبية القبلية وحدها ولا على المشروعية الفقهية الصارمة. وتعزز هذا التصور عبر التأييد الروحي والاجتماعي الذي وفرته الطرق الصوفية المنظمة، وفي مقدمتها الشبكات المرتبطة بالجزولية.

وأدى ذلك إلى تقارب كبير بين البركة والسلطة الزمنية. ففي العصر المرابطي، برز تمايز بين السلطان وجهاز الفقهاء من جانب، والولي الصوفي صاحب النفوذ الروحي من جانب آخر. أما في التجربة السعدية، فقد اقترنت الولاية الصوفية بالشرعية السلالية في صورة الحاكم الشريف الذي يمسك بأدوات الحكم ويحظى، في الوقت نفسه، بشرعية روحية مستندة إلى البركة والانتساب النبوي.

وتجسد هذا التقارب في المجال الرمزي داخل مراكش، حيث نُقل جثمان الشيخ سليمان الجزولي ليدفن قرب محمد القائم بأمر الله، مؤسس الدولة السعدية، في ضريح مشترك كبير. وأظهر هذا الترتيب الجنائزي ارتباطاً مقصوداً بين مكانة الشيخ الصوفي وذاكرة الأسرة الحاكمة، بما يجعل الضريح دليلاً مادياً على الصلة بين الحركة الجزولية وقيام السلطة السعدية.

واختلفت صياغة الشرعية السعدية كذلك عن التصور المرابطي الذي ركز على تنفيذ الأحكام الشرعية وإدارة الحدود. فقد قُدمت الدولة السعدية ضمن رؤية خلاصية وألفية متأثرة بالأدبيات المرتبطة بالجزولي، ورأت في سلاطينها قادة مكلفين بإنقاذ الجماعة وقيادة الجهاد ضد الوجودين البرتغالي والإسباني. وربط هذا الخطاب بين الدفاع عن البلاد وإعادة تنظيم الجماعة الإسلامية وبين الدور السياسي والديني للحاكم الشريف.

ولم يقتصر أثر الجزولية على المجال الرمزي أو الخطاب الديني، بل امتد إلى وظائف تنظيمية. فقد استثمر السعديون انتشار الزوايا الجزولية وشعبيتها، التي قُدّر عدد مريديها بنحو 12 ألفاً، لتحويلها إلى مراكز للتعبئة والتأطير. وأسهمت هذه الزوايا في ربط القبائل الريفية والحدودية بالمركز، وفي تعزيز السيطرة على طرق القوافل والمناطق النائية، بما يخدم توسيع نفوذ الدولة.

وهكذا تشكلت شرعية الدولة السعدية من تداخل النسب النبوي والبركة الصوفية والخطاب الجهادي والشبكات الزاوية. ومن خلال هذا التداخل، لم تعد الزوايا مجرد فضاءات للتربية الروحية، بل غدت جزءاً من أدوات إنتاج الولاء وتنظيم المجال وربط الأطراف بالسلطة المركزية.




المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/98241468/...


: في نفس القسم