«يهودي» بحرف كبير


Rédigé le الأربعاء 24 دجنبر 2025 à 11:39 | Lu 1 commentaire(s)



يروي دينيس أوليفينس في عمله «قاموس عشقي لليهود في فرنسا» مسارًا يمتد لألفي عام من حضور اليهود في التاريخ الفرنسي، حيث تداخلت الاندماج مع التحرر منذ الثورة الفرنسية، وتجاورت مساهماتهم الثقافية مع إرث أثينا وروما وروح التنوير.



فكرة «اليهودية-المسيحية» تبدو مفتاحية لكنها قاصرة عن استيعاب الصورة كاملة. فالمسيحية خرجت تاريخيًا من رحم اليهودية، إلا أن المسارين افترقا في جوهر التنظيم: اليهودية تقوم على القانون، بينما المسيحية تؤسس على الإيمان. الحديث عن «جذور يهودية-مسيحية» يهمل مساهمة الفلسفة اليونانية والقانون الروماني، ويغفل زخم التنوير الذي دفع نحو الاندماج وقونن الاختلاف داخل إطار الجمهورية.

في فرنسا، وُجدت صفحات مضيئة من التعاطف الفكري تجاه اليهود لدى كتّاب كبار مثل أبيلار وباسكال وبيغي وشاتوبريان. هذا الإرث الذي يثمّنه أوليفينس لا يُنكر تعقيد النظرة المسيحية التاريخية لليهود، لكنه يبرز وجهًا إنسانيًا معتبرًا في الثقافة الفرنسية، حيث تحوّل الاحترام والمرافعة الأخلاقية إلى جسور معايشة.

ما ميّز اليهود والمسيحيين في الفضاء الفرنسي أنهم «أدّوا ما لقيصر لقيصر»، فقبلوا بسيادة القانون الوطني على خصوصيات الشرائع الدينية. لدى اليهود، تجسد هذا التحول مع تحرير 1791، ومقولة كليرمون-تونير الشهيرة «ارفضوا كل شيء لليهود كأمة، وأعطوا كل شيء لليهود كأفراد»، ومع السنهدرين الكبير الذي دعا إليه نابليون وما تبعه من مراجعات لقواعد فقهية. هذا المسار المؤسِّس للاندماج ما يزال مطروحًا أمام جزء من المسلمين في فرنسا، ضمن أفق المواطنة والعلمانية.

يرى أوليفينس أن التصدي للإسلام السياسي واجب حين يعارض قوانين الجمهورية وأخلاقها العامة، من مساواة النساء والرجال إلى حرية الميول والبحث العلمي. السلاح الأجدى ليس استدعاء إرث ديني في مواجهة دين آخر، بل ترسيخ الحقوق والحريات واللائكية، مع التفريق بين نقد الأفكار الدينية واحترام المؤمنين وحماية حقهم في التعبّد. ضمن هذا الإطار، يصبح الاندماج طريقًا واقعيًا كما كان لليهود في فرنسا.

تجلّى بعد 7 أكتوبر تعاطف مسيحي واسع مع اليهود وإسرائيل، وهو ما يستحضره أوليفينس بوصفه امتدادًا لانقلاب تاريخي في الوعي المسيحي تجاه اليهود، من عداء لاهوتي إلى أخوّة إنسانية. هذا التحول يمنح ذريعة إضافية للأمل في علاقات أكثر اتزانًا داخل المجتمع الفرنسي.

على مستوى السياسة، يشخّص أوليفينس تحولًا في بوصلة معاداة السامية داخل المشهد الفرنسي؛ فبينما تقلّص حضورها المعلن لدى اليمين القومي، يستشري تسويغ العنف ضد اليهود لدى شرائح من أقصى اليسار. هذا الانقلاب، الذي ينقض إرث دريفوس المؤسّس للديمقراطية الاجتماعية، يكشف ارتباكًا أيديولوجيًا حين تتخلى تيارات عن الجمهورية التي قامت عليها.

يعرف أوليفينس نفسه يهوديًا بلا إيمان ديني، لكنه يربط هويته بذاكرة العائلة والكارثة، وبمقاومة لا مساومة فيها لمعاداة السامية، وبالتزام أخلاقي مستلهم من ليفيناس يجعل المسؤولية عن الآخر مركز الإنسان. ويربط ذلك أيضًا بالتعلّق بوجود دولة إسرائيل مع نقد حكومتها، فيما يصرّ على أنه «فرنسي قبل كل شيء وببساطة»، كما قال مارك بلوخ.




المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93355822/yhody-bhr...


Dans la même rubrique :