تقدّم مقالة “The Grand Old Illusion of ‘Ethical’ Capitalism” للكاتب والمستثمر الأمريكي براد سوانسون قراءة نقدية لمسار ما يُسمّى بالرأسمالية الأخلاقية، وتحديداً من خلال تجربة الاستثمار المسؤول بيئياً واجتماعياً المعروف اختصاراً بـESG كما تُروّج له صناعة المال العالمية. ينطلق النص من لحظة سياسية محددة هي عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض وما رافقها من اندفاعة جديدة لصناعة النفط الكبرى في الولايات المتحدة، ليبيّن أن “صحوة الضمير المناخي” التي أعلنتها بعض الشركات النفطية في السنوات السابقة كانت مرتبطة بحسابات الربح والمخاطر أكثر مما كانت ثمرة تحوّل قيمي حقيقي داخل الرأسمالية.
يربط سوانسون بين ما يسمّيه “وهم الرأسمالية الأخلاقية” وبين الصعود الكبير لصناديق الاستثمار التي تتبنى معايير ESG، والتي باتت تدير ما يقارب 30 تريليون دولار من الأصول، أي نحو ربع الأصول المُدارة عالمياً، ما جعل هذا التوجّه أحد أسرع القطاعات نمواً في أسواق المال. غير أن هذا الاتساع الكمي، في نظره، يخفي إشكالاً بنيوياً يتعلق بطبيعة هذه المعايير نفسها، فهي لا تُدرج إلا المخاطر “المادية مالياً” على الشركة، وتستبعد الأضرار البيئية والاجتماعية التي لا تترجم مباشرة في شكل خسائر على الميزانية أو قيمة السهم. بهذا المعنى، لا تَسأل المنظومة السائدة في ESG عمّا إذا كانت الشركة تُلحق ضرراً بالبشر أو المناخ، بل عمّا إذا كان هذا الضرر قد يصبح مكلفاً لها في المستقبل.
من هنا يقدّم الكاتب مثالين بارزين: شركات التبغ التي تتسبب في وفيات وأمراض على نطاق واسع، لكنها تعمل ضمن إطار قانوني ولا تتحمل عادةً كلفة صحية مباشرة، ما يسمح لها بالحصول على درجات جيدة في بعض تصنيفات الاستدامة وحتى الظهور ضمن محافظ استثمار “مسؤولة”. المثال الثاني هو شركات الوقود الأحفوري التي تُعدّ تاريخياً من أكثر القطاعات ربحية وقد نجحت إلى حد بعيد في تجنّب ضغوط تنظيمية قاسية، ما جعل أسهمها حاضرة في نحو 80 في المئة من صناديق ESG وفق ما تنقله المقالة. في كلا الحالتين، يبدو أن مفهوم المسؤولية يُختزل في قدرة الشركة على إدارة المخاطر المالية، بينما تُترك الكلفة الاجتماعية والبيئية في خانة “السلع العامة” التي لا يتحمّلها الفاعل الاقتصادي المباشر بل المجتمع والدولة.
يرى سوانسون أن المشكلة لا تقف عند حدود انحراف في التطبيق أو نقص في البيانات، بل تمتد إلى فرضية نظرية يصعب إثباتها: الزعم بأن إدارة المخاطر البيئية والاجتماعية بشكل “ذكي” تؤدي تلقائياً إلى أرباح أعلى وأسعار أسهم أفضل. يشير إلى أن عشرات الدراسات حاولت الربط بين سياسات مثل خفض الانبعاثات أو تحسين مزايا العاملين وبين مؤشرات مالية كتكلفة الدين أو العائد على الأصول، لكن نتائجها بقيت متناقضة وغير حاسمة، وعاجزة عن تقديم علاقة سببية واضحة يمكن تعميمها عبر القطاعات والأسواق. ويستنتج أن تعقيد تعريف ممارسات ESG بدقة، وقياس أثرها المباشر على الأداء المالي، يجعل من الصعب اعتماد هذه الوعود كقاعدة علمية صلبة للاستثمار.
مع ذلك، تستمر صناعة تقييمات ESG في التوسع وتحقيق أرباح كبيرة، إذ يدفع مديرو الصناديق مبالغ كبيرة للحصول على تقارير مفصّلة تساعدهم نظرياً في اختيار الأسهم “المستدامة”. غير أن الكاتب يصف هذه التقارير بأنها طويلة ومُحكَمة شكلياً لكنها متباينة إلى حد كبير بين وكالة وأخرى، ما يطرح تساؤلات حول موضوعيتها وقابليتها للاستخدام كأداة موثوقة لتوجيه رؤوس الأموال نحو شركات أقل ضرراً للمجتمع. ويبدو له أن جزءاً من جاذبية هذا السوق يعود إلى حاجة المؤسسات المالية إلى استعادة شرعية تضررت بعد أزمات متكررة منذ 2008، أكثر مما يعود إلى رغبة حقيقية في تغيير نموذج الربحية السائد.
في خلفية هذا التشخيص يستعيد سوانسون تقليداً فكرياً يعود إلى الحقبة التقدمية في الولايات المتحدة مطلع القرن العشرين، حين سعى مصلحون إلى “إنقاذ الرأسمالية من نفسها” عبر تنظيم الاحتكارات وتقوية النقابات وتأسيس دولة تنظيمية أكثر حضوراً. من هذا المنظور، يُقارن بين تلك المرحلة واللحظة الراهنة التي يتراجع فيها ثقة المواطنين بالمؤسسات الاقتصادية والسياسية، ويعتبر أن التعويل على الأسواق المالية لتوليد التغيير الاجتماعي هو تكرار لوهم قديم بصيغة جديدة.
بدلاً من ذلك، يدعو الكاتب إلى مسار إصلاحي يقوم على أدوات السياسة العامة والمؤسسات الديمقراطية، لا على رهانات معنوية تُعلّق على مجالس إدارات الشركات الكبرى. يقترح أن يكون من بين الأهداف الأساسية إعادة بناء قوة العمل المنظم، على اعتبار أن تحسّن أوضاع النقابات اقترن تاريخياً بتوسّع الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة، إضافة إلى تفكيك الكارتلات والشركات المسيطرة التي تقلّص المنافسة وتضغط على الأجور والإنتاجية. كما يشدد على أن مواجهة التحدي المناخي تتطلب أدوات مثل أنظمة “سقف وتجارة” للانبعاثات، بحيث تُدرج كلفة الكربون في صلب حسابات الصناعة ضمن شراكات عامة–خاصة واضحة القواعد.
يذهب سوانسون إلى أن مطالبة الشركات، وبخاصة عمالقة النفط مثل إكسون، بأن تكون فاعلاً طوعياً للتغيير الاجتماعي هي مطالبة تناقض منطقها الأساسي بوصفها آلات ربح “لاعاطفية”، وأن الإصرار على هذا الانتظار يُنتج مزيداً من الخطاب التزييني و”غسل السمعة” بدلاً من حلول ملموسة للأزمات البيئية والاجتماعية. المسار الواقعي نحو مسؤولية اجتماعية أكبر للشركات، في رأيه، يمر عبر صناديق الاقتراع والبرلمانات والهيئات التنظيمية، لا عبر شعارات ووعود تُطلق من وول ستريت وغرف الإدارة العليا.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/95766616/o...