أثار تصريح الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان تشيس» جيمي ديمون، الذي قال فيه إن الذكاء الاصطناعي «سيعالج السرطان» ويجعل الأطفال يعيشون لفترة أطول ويقلّص عدد ساعات العمل، موجة واسعة من التعليقات والتأويلات في الفضاءين المالي والإعلامي على حد سواء. فقد جاء هذا الكلام في سياق ترويج ديمون لرؤية متفائلة عن التحولات التقنية المقبلة، حيث قدّم الذكاء الاصطناعي كقوة تحويلية تمتد آثارها من أسواق العمل إلى أنظمة الرعاية الصحية مروراً بأمن النقل والصناعات الدوائية. ورغم أن التصريح صيغ بصيغة تقريرية قاطعة، فإنه يندرج ضمن الخطاب الاستشرافي الذي يمزج بين الوعد التكنولوجي والرهان الاقتصادي، أكثر مما يعكس موقفاً علمياً تفصيلياً حول مسار أبحاث السرطان.
يستند هذا النوع من الخطاب إلى واقع لا يمكن إنكاره، يتمثل في دخول تقنيات التعلم الآلي وتحليل البيانات إلى قلب الأبحاث الطبية في مجالات متعددة، من اكتشاف الأدوية وتصميم التجارب السريرية، إلى قراءة الصور الطبية وتحليل التسلسلات الجينية. إلا أن تحويل هذه الإمكانات إلى نتيجة نهائية بحجم «القضاء على السرطان» يظل خطوة كبيرة من الناحية العلمية والسريرية. فالسرطان ليس مرضاً واحداً، بل مجموعة واسعة من الأمراض التي تختلف في أسبابها وآلياتها واستجابتها للعلاج، ما يجعل الحديث عن «علاج» شامل للسرطان أقرب إلى اختزال لغوي وبلاغة خطابية منه إلى توصيف دقيق لمسار معقد ومتعدد الأبعاد.
يظهر في خلفية هذه التصريحات أيضاً تقاطع واضح بين مصالح القطاع المالي وتوجهات شركات التكنولوجيا الكبرى، حيث يراهن الطرفان على الذكاء الاصطناعي بوصفه موجة استثمارية جديدة تعيد تشكيل سلاسل القيمة في قطاعات حيوية مثل الصحة والنقل والطاقة. ومن هذا المنظور، فإن تأكيد مسؤول مصرفي بارز على أن الذكاء الاصطناعي سيغيّر حياة البشر جذرياً، ويقلل ساعات العمل، ويحسّن السلامة في الطائرات والسيارات، ينسجم مع محاولة ترسيخ صورة مفادها أن هذه الموجة التقنية الجديدة ليست مجرد أداة لتحسين أرباح الشركات، بل مشروع حضاري شامل يعيد تعريف علاقة الإنسان بالعمل والمرض والعمر.
في الوقت نفسه، يثير التركيز على الوعود الكبرى للذكاء الاصطناعي تساؤلات حول المخاطر المقابلة التي لا تقل أهمية؛ فالأتمتة المتسارعة في القطاعات المختلفة تطرح أسئلة حول مصير الوظائف، وتوزيع الثروة، والفوارق بين من يمتلكون الأدوات الرقمية ومن يُقصون منها. وعندما يصدر وعد بـ«شفاء السرطان» عن شخصية مصرفية وليست طبية، فإن ذلك يعيد إلى الواجهة النقاش حول من يحدد اتجاهات البحث العلمي، ومن يضع أولويات التمويل، وكيف تُصاغ سرديات التقدم أمام الرأي العام. فالتجارب السابقة مع طفَرَات تكنولوجية أخرى تُظهر أن طريقة تقديم هذه التحولات للجمهور يمكن أن تؤثر في السياسات العامة، وفي مستويات التوقعات، وفي شكل العلاقة بين الخبراء والمجتمعات.
من جهة أخرى، يجد الصحفيون والمتخصصون في التغطية العلمية والاقتصادية أنفسهم أمام مسؤولية مزدوجة عند التعامل مع مثل هذه التصريحات؛ فمن ناحية، يبدو من الضروري تقديمها ضمن سياقها الكامل، بما يشمل طبيعة المناسبة التي قيلت فيها، والجمهور المستهدف، والخلفية الاقتصادية والسياسية للمؤسسة التي ينتمي إليها المتحدث. ومن ناحية أخرى، يتطلب الأمر مقارنتها بما تقوله الأوساط العلمية والطبية حول حدود الذكاء الاصطناعي في ميدان السرطان، حيث تشير دراسات متعددة إلى تقدم فعلي في مجالات التشخيص المبكر وتصميم البروتوكولات العلاجية، لكنها في الوقت ذاته تحذر من المبالغة في وعود «الحلول السحرية» التي قد تضعف ثقة المرضى في المسارات العلاجية الحالية أو تخلق آمالاً يصعب تحقيقها في الأطر الزمنية القصيرة.
تشكّل هذه الفجوة بين الخطاب المتفائل والمشهد العلمي الواقعي مادة غنية للنقاش العام، خصوصاً في زمن تتسارع فيه موجات المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تميل بطبيعتها إلى اقتطاع الجمل الأكثر جاذبية وتحويلها إلى شعارات قابلة للمشاركة. وهكذا تنتقل جملة مثل «الذكاء الاصطناعي سيعالج السرطان» بسرعة من سياقها الأصلي إلى عناوين مختصرة تجذب الانتباه، وتُعاد تدويرها في مقاطع قصيرة تفتقر إلى الشرح والتفصيل. وفي غياب قراءة نقدية متأنية، يمكن لمثل هذه الجمل أن تعمّق الفجوة بين التوقعات الشعبية والقدرات الفعلية للتكنولوجيا، ما يضع مزيداً من الضغط على الأطقم الطبية والبحثية التي تواجه بالفعل تحديات التمويل والتنظيم والأخلاقيات.
في المحصلة، يكشف هذا النوع من الخطاب عن مرحلة انتقالية تعيشها المجتمعات المعاصرة، حيث تتحول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى عنصر أساسي في صياغة التوقعات الجماعية حول المستقبل الصحي والاقتصادي. وبين التفاؤل الذي يروّج له قادة المال والأعمال، والحذر الذي يعبّر عنه كثير من العلماء والأطباء، تتشكل مساحة واسعة من الأسئلة التي تحتاج إلى تغطيات صحفية متأنية تعتمد على التدقيق في المعطيات، والاستماع إلى أصوات متعددة، وموازنة الوعود مع الوقائع. فالمسألة لا تتعلق فقط بما يمكن للتكنولوجيا أن تقدمه، بل أيضاً بالطريقة التي تُدار بها هذه القدرات، وكيفية توزيع ثمارها، وحدود اللغة المستخدمة في الحديث عن إنجازاتها المحتملة.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...