تُظهر سوق العمل العالمية في الأشهر الأخيرة موجة من المسميات الوظيفية غير المألوفة، نشأت من التحول السريع الذي تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل شركات التكنولوجيا الكبرى والمنظومات المحيطة بها. فبين مناصب تحمل طابعًا فكريًا تقليديًا مثل الفيلسوف، وأخرى تتصل بثقافة المبرمجين الجدد مثل «مُبرمج الإحساس» أو ما أصبح يُعرف بالـ vibe coder، تعيد هذه الظاهرة رسم هياكل الموارد البشرية وتعريف الأدوار داخل المؤسسات التقنية. وتكشف مراجعة الإعلانات الوظيفية المنشورة حديثًا عن طيف من الوظائف التي لم يكن لها وجود قبل أعوام قليلة، لكنها باتت اليوم تعكس طموح الشركات إلى دمج الذكاء الاصطناعي في كل مستويات نشاطها، من الاتصال المؤسسي إلى كتابة الشيفرات وتخطيط الاستراتيجيات.
من أبرز هذه المناصب ما تسوِّقه شركة Anthropic تحت اسم «مبشّر كلود» أو Claude Evangelist، وهو دور يتجاوز الوظائف الاتصالية التقليدية، إذ يجمع بين خبرة المؤسسين ورواد الأعمال وبين القدرة على مخاطبة مجتمعات المطورين ورواد الشركات الناشئة، مع تمثيل الشركة وجهًا إعلاميًا وتقنيًا في آن واحد. هذا المنصب، الذي يبدأ راتبه من نحو 240 ألف دولار سنويًا، يتجاوز بكثير متوسط رواتب مديري الاتصالات في الولايات المتحدة، والذي يدور حول 106 آلاف دولار وفق بيانات منصة Indeed، ما يكشف عن استعداد الشركات لدفع علاوات كبيرة لقاء دمج مهارات السرد الإعلامي بالمعرفة العميقة بأدوات الذكاء الاصطناعي ومنتجاته. وتُظهر إعلانات توظيف أخرى أن شركات مثل Adobe تبحث بدورها عن مهام قريبة في الجوهر، تحت عناوين مثل «مهندس أعمال وواعظ في الذكاء الاصطناعي»، في إشارة إلى توسع هذا النمط من الأدوار الذي يمزج التسويق التقني بالترويج لأدوات الذكاء الاصطناعي داخل المنظومات المهنية المختلفة.
في مستوى آخر، تستعيد الفلسفة موقعًا مهنيًا جديدًا داخل شركات الذكاء الاصطناعي من خلال وظيفة «فيلسوف الذكاء الاصطناعي» أو الباحث في الأخلاقيات والقيم المرتبطة بهذه النماذج. شركات مثل Anthropic وGoogle DeepMind استحدثت مناصب لفلاسفة مقيمين أو مختصين في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تكون مهمتهم وضع الأطر القيمية ومراجعة أثر النماذج على الأفراد والمجتمعات، وضمان أن مخرجاتها لا تتعارض مع معايير حقوق الإنسان والتنوع الثقافي. أحد الأمثلة البارزة يتمثل في اعتماد Anthropic وثيقة أسمتها «دستور كلود»، تصوغ فيها مبادئ مرجعية توجه ردود نموذجها اللغوي، بما يتيح تحويل النقاش الفلسفي حول القيم إلى آليات تشغيلية داخل النظام نفسه. وتتجاوز هذه الأدوار الطابع الرمزي، إذ تُظهر عروض العمل أن مناصب مثل «مدير الآثار الناشئة في أخلاقيات وسلامة الذكاء الاصطناعي» في Google DeepMind تتراوح رواتبها الأساسية بين 212 ألفًا و231 ألف دولار سنويًا، ما يضع الفلسفة في موقع تنافسي داخل سوق الوظائف التقنية العليا.
في الضفة الأخرى من طيف الوظائف المستحدثة يبرز مفهوم «مُبرمج الإحساس» أو vibecoder، وهو توصيف ظهر بداية في الخطاب غير الرسمي للمجتمعات الرقمية قبل أن ينتقل إلى إعلانات التوظيف الرسمية. يقوم جوهر هذا الدور على استغلال أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تسمح ببناء تطبيقات ومنتجات برمجية عبر أوامر لغوية عادية بدل كتابة الشيفرة سطرًا بسطر، بحيث يتحول المبرمج هنا إلى منسّق لمتطلبات المنتج ومهندس لتجربة الاستخدام أكثر منه كاتبًا تقليديًا للشيفرة. منصات مثل Lovable تُعرِّف نفسها بوصفها بيئة لـ«برمجة الإحساس» وتعلن عن وظائف لمختصين قادرين على تحويل وصف نصي إلى تطبيق عملي سريعًا، بينما تطلب شركات مثل TikTok مصممين للمنتجات لديهم قدرة على إعداد نماذج أولية باستعمال «الكود وأدوات الذكاء الاصطناعي» معًا، في حين تبحث YouTube عن «مهندس حلول للذكاء الاصطناعي» يختصر دورات التطوير الطويلة عبر الاستفادة من «البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي والأنظمة منخفضة الكود».
وتكشف مستويات الرواتب في هذه الوظائف عن تقدير متزايد لمهارات الجمع بين الفهم التقني والإلمام بأدوات الذكاء الاصطناعي، إذ تشير بيانات منشورة إلى أن منصب مصمم المنتجات لدى TikTok الذي يتضمن مهام «البرمجة بالإحساس» يبدأ من حدود 108 آلاف دولار سنويًا، بينما ينطلق راتب دور «مهندس الحلول» لدى YouTube من نحو 149 ألف دولار. هذه الأرقام تُظهر أن السوق لا ينظر إلى هذه المهارات كملحق إضافي على الوظائف التقليدية، بل كشرط مستقل يمنح صاحبه موقعًا تفاوضيًا أعلى داخل الشركات. مع ذلك، تؤكد تقارير متخصصة أن هذه الأدوار غالبًا ما تتطلب خبرة تقنية أساسية، سواء عبر إتقان لغات مثل Python وSQL أو القدرة على التعامل مع واجهات برمجة التطبيقات، إضافة إلى خبرة مهنية في إدارة المنتجات أو البرامج قد تصل إلى ست سنوات أو أكثر، ما يعني أن الباب لا ينفتح بالكامل أمام غير المختصين كما قد توحي بعض السرديات المتفائلة.
إلى جانب هذه المسميات اللافتة، تتسع دائرة الوظائف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لتشمل فئات أخرى مثل المهندسين الميدانيين الذين يساعدون الشركات على إدماج النماذج في أعمالها اليومية، والعاملين المستقلين الذين يشاركون في تدريب النماذج عبر وسم البيانات، إضافة إلى مناصب تنفيذية عليا من نوع «رئيس الذكاء الاصطناعي» التي تتولى الإشراف على استخدام هذه التقنيات على مستوى المؤسسة بأكملها. ما يجمع بين هذه الأدوار هو أنها أقل عددًا من الوظائف التي يجري الاستغناء عنها أو إعادة تشكيلها بفعل الأتمتة، لكنها في المقابل أعلى أجرًا، وتحتاج إلى مزيج معقد من المهارات التقنية والتحليلية والاتصالية. هذا التباين بين الكم والنوع يعيد طرح الأسئلة حول العدالة في توزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي، إذ قد تستفيد منه فئات محدودة تملك رأس المال المعرفي والخبرة، فيما تتعرض وظائف أخرى في الإعلام والخدمات والبرمجة التقليدية لضغوط متزايدة من المنافسة مع النماذج الآلية.
بالنسبة لمتابعي أسواق العمل والباحثين في المستقبل المهني، تتيح هذه الظاهرة قراءة مبدئية عن الاتجاه الذي تسير فيه الشركات الكبرى، حيث يتقدم الطلب على المهارات الهجينة التي تجمع بين الفهم العميق لأدوات الذكاء الاصطناعي وبين القدرة على التواصل، سواء عبر رواية قصة المنتج للجمهور أو ترجمة الأسئلة الأخلاقية إلى قواعد تشغيلية داخل النماذج. كما توضح المسارات الحالية أن مسميات مثل «الفيلسوف» أو «مُبرمج الإحساس» ليست مجرد عناوين دعائية، بل تعبير عن احتياج فعلي إلى خبرات قادرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه بنية تحتية جديدة للعمل المعرفي، تتقاطع فيها التنظيمات القانونية واعتبارات السمعة والمهارات التقنية الدقيقة. ومن المرجح أن تؤدي هذه الموجة إلى مزيد من إعادة تعريف المهن التقليدية، سواء عبر إعادة تسمية أدوار قائمة أو استحداث وظائف أخرى تتوسط بين الإنسان والآلة، مع استمرار النقاش حول من يمتلك القدرة على شغل هذه المواقع الجديدة وكيف يمكن للمنظومات التعليمية والتدريبية اللحاق بها.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...