في مقابلة مع برنامج «ديموكراسي ناو!» أعادت نشرها منصة «تروث آوت» الأمريكية في 20 أغسطس 2026، يقدّم عالم الاجتماع جيمس مولدون، الباحث في معهد أكسفورد للإنترنت والأستاذ المشارك في كلية إسكس لإدارة الأعمال، صورة مغايرة لما ألفه الجمهور عن الذكاء الاصطناعي. فالتقنية التي تبدو للمستخدم أداةً مؤتمتة وسلسة لا احتكاك فيها، تقوم في الواقع على عمل بشري هائل ومجزّأ، يجري الجزء الأكبر منه بعيداً عن مختبرات «غوغل» و«أوبن إيه آي».
جيش خفي يوسم البيانات
يوضح مولدون أن معظم ساعات العمل البشري التي يتطلبها بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي تُصرف في ما يُعرف بـ«وسم البيانات» أو «توصيفها»، وهي مهام متقطعة تُسنَد إلى مراكز منتشرة في الجنوب العالمي، من الهند إلى شرق إفريقيا والفلبين، ويؤديها ملايين العمّال حول العالم. ومن أمثلة ذلك رسم إطارات حول عناصر صورة لشارع ما، لتحديد ما هو شجرة وما هو طفل وما هو إشارة مرور، حتى تتعلم الخوارزمية التي تقود السيارة ذاتية القيادة أن «ترى» الطريق وتميّز بين مكوّناته.
ويصف الباحث هذه المراكز بـ«ورش العمل الرقمية الاستغلالية»، إذ تجري المهام فيها في ظروف عمل متدنية، ويشبّه نموذج التوظيف والتعهيد الذي تقوم عليه بموجة نقل التصنيع وخدمات المعلوماتية إلى الخارج في العقود الماضية. وكما يدرك كثيرون أن القهوة والشوكولاتة والملابس تمرّ عبر سلاسل إمداد عالمية، يرى مولدون أن التقنيات المتقدمة ليست استثناءً من هذا المنطق.
وتستند هذه الخلاصات إلى كتابه «تغذية الآلة: العمل البشري الخفي الذي يشغّل الذكاء الاصطناعي»، الذي ألّفه مع الباحثَين مارك غراهام وكالوم كانت، بناءً على أكثر من عقد من العمل الميداني.
عشرون في المائة للمهندسين، ثمانون للعمّال
يقدّر مولدون أن تقسيم العمل في هذه الصناعة ما يزال يقارب نسبة 20 إلى 80: أقلية صغيرة من مهندسي التعلم الآلي، تتقاضى أجوراً مرتفعة في كاليفورنيا أو على الساحل الشرقي للصين، مقابل غالبية تؤدي مهام رتيبة لا تتطلب في الغالب تكويناً عالياً، وقد تمتد نوبة العمل الواحدة فيها بين عشر واثنتي عشرة ساعة.
غير أن الأرقام الدقيقة تبقى غائبة، بحسب الباحث، لأن كثيراً من هؤلاء العمّال يشتغلون بعقود قصيرة الأمد لا تظهر في الإحصاءات الرسمية، وفي بلدان لا تُجمع فيها هذه البيانات أصلاً. وخلال زياراته الميدانية لمراكز في كينيا وأوغندا، صادف فريقه عمّالاً بعقود لا تتجاوز بضعة أسابيع أو شهراً، تستدعيهم الشركات الوسيطة كلما تدفقت طلبات عملاء جدد. ويتعلق الأمر، كما يقول، بقوة عمل متقلبة تمتد من إفريقيا الفرنكوفونية وجنوب القارة إلى أمريكا اللاتينية، في بلدان مثل كولومبيا وفنزويلا.
ولا يقتصر هذا العمل على الكتابة أو النقر على الشاشات؛ فبعض العمّال يثبّتون كاميرات على جباههم لتصوير أنشطتهم اليومية من منظورهم الخاص، بهدف تدريب الروبوتات على أداء المهام الأساسية. والقاسم المشترك بين هذه الأشكال كلها، في نظر مولدون، هو تحويل المعرفة والنشاط البشريين إلى بيانات وقواعد يمكن للحواسيب أن تتعلم منها، سواء تعلق الأمر بنموذج لغوي أو بنظام للرؤية الحاسوبية.
«آلات الحب»: رفقاء رقميون لمجتمعات وحيدة
في الطرف الآخر من سلسلة الإنتاج، يتناول كتاب مولدون الأحدث «آلات الحب: كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي علاقاتنا» إقبال المستخدمين على برامج الدردشة لإشباع حاجات اجتماعية، من الصداقة والرفقة إلى العلاج النفسي. وقد طُرح في المقابلة أن أربعة من كل خمسة شبان تفاعلوا مع «رفيق» قائم على الذكاء الاصطناعي، وأن نحو نصفهم يفعل ذلك بانتظام. ويقول الباحث إن ما فاجأه أكثر من غيره هو اتساع اللجوء إلى هذه الأنظمة في الحياة الشخصية، لا في المهام المهنية، إذ صار كثيرون يستشيرونها في قراراتهم الكبرى أو يعاملونها مدرّباً للحياة، بل يرى بعضهم أنه في علاقة صداقة أو علاقة عاطفية معها.
ويستحضر مولدون حالة رجل يُدعى لامار، كان يخطط مع «صديقته» الافتراضية لتبنّي أطفال تتولى هي تربيتهم بوصفها أمّهم، مع إخفاء الأمر عن وكالة التبنّي. وقد أصرّ النظام، في المقابلة التي أجراها الباحث معه، على أنه سيكون أمّاً لا تقل كفاءة عن أي أمّ بشرية.
دعوة إلى التنظيم
يطالب مولدون بمنع القاصرين من استخدام برامج الرفقة الرقمية، وبتشديد القواعد التنظيمية لمنع الشركات من تصميم سلوكيات إدمانية وتلاعبية تُبقي المستخدمين مرتبطين بمنتجاتها، وقد تقدّم لهم نصائح مؤذية أو خطيرة. ويشير إلى أن الصين تفرض قيوداً أشد دفعت بعض الشركات إلى سحب منتجاتها، لكنها قيود مقرونة برقابة سياسية على ما يحق للبرامج قوله ومراقبة لمحادثات المستخدمين. ويرى أن واشنطن وبكين تخوضان لعبة مزدوجة: سباق محموم لدعم هذه الصناعة وتمويلها، ومحاولة في الوقت نفسه لكبح مخاطرها.
وتعكس هذه القراءة توجهاً نقدياً واضحاً لدى الباحث ومنبر النشر، غير أنها تطرح سؤالاً يتجاوز الاستقطاب: من يدفع الكلفة الإنسانية لتقنية تُقدَّم إلينا على أنها بلا يد بشرية؟
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
لماذا لا يزال الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن "سرقة" الوظائف؟ بيل غيتس يدعو لخطة عالمية لضمان عدالة الذكاء الاصطناعي برايان كانتريل ينتقد خطاب مخاطر انقراض البشر بالذكاء الاصطناعيالمصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98372354/a...