في خضم النقاشات المستمرة حول جذور الراديكالية الدينية وسبل مواجهتها فكرياً وروحياً، يستعيد بعض المفكرين والباحثين مفهوماً صوفياً عريقاً ارتبط تاريخياً باسم الشيخ محيي الدين ابن عربي، وهو مفهوم "وحدة الوجود"، باعتباره أحد المداخل الممكنة لفهم كيف يمكن لتجربة روحية عميقة أن تشكل حصناً فكرياً في مواجهة الانغلاق والتشدد. فما الذي يجعل هذه الفكرة الفلسفية، التي تعود جذورها إلى قرون بعيدة، قادرة في نظر أصحاب هذا الطرح على أن تصبح ركيزة معاصرة لمواجهة خطابات الكراهية والتعصب؟
ينطلق هذا المفهوم من تصور وجودي عميق، مفاده أن هناك رابطاً جوهرياً يصل بين الخالق وكل ما في الكون من مخلوقات، بحيث لا ينفصل الوجود عن مصدره، بل يظل كل شيء فيه تجلياً من تجليات الحق. وبحسب هذا الطرح، فإن هذا التصور لا يبقى حبيس الدوائر الفلسفية المجردة، بل يساهم في تشكيل وعي ديني شمولي ومنفتح، يرفض احتكار الحقيقة المطلقة، ويفتح الباب أمام تعدد القراءات والمشارب الروحية. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى هذا الانفتاح الفكري كعامل يحدّ بشكل ملموس من فرص الانجراف نحو خطابات راديكالية، تتغذى أساساً على الانغلاق الذهني ورفض الاختلاف.
ولا يقف الأمر عند حدود الوعي النظري، بل يمتد إلى تفكيك إحدى أخطر الثنائيات التي تُبنى عليها الراديكالية الدينية، وهي ثنائية "نحن" في مواجهة "الآخر". فكثيراً ما تنبع التطرف من رؤية مجتزأة ومشوهة للعالم، تقسم البشرية إلى معسكرين متصارعين، أحدهما يحمل الحقيقة كاملة والآخر ضال أو عدو. في المقابل، يقترح مفهوم وحدة الوجود بديلاً جوهرياً يقوم على الوحدة الروحية والإنسانية الجامعة، حيث لا مكان لمنطق الإقصاء أو استباحة المختلف، لأن كل إنسان، بحسب هذه الرؤية، يحمل في داخله شيئاً من ذلك الحضور الإلهي المتجلي في الوجود كله.
ويذهب ابن عربي في تفسيره لهذه الفكرة إلى وصف الكون بأنه أشبه بـ"مرآة" عظيمة، تتجلى فيها الأسماء والصفات الإلهية بصورها المتعددة، وهو ما يعني، في هذا السياق، أن كل كائن بشري يحمل بُعداً إلهياً كامناً في صميم وجوده. وتترتب على هذه الرؤية نتيجة بالغة الأهمية، تتمثل في مساواة روحية عميقة بين جميع البشر، بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو الاجتماعية، إذ لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى وصدق التجربة الروحية ودرجة الوعي الداخلي. وهذه المساواة الجوهرية، بحسب أصحاب هذا الطرح، تقوّض من أساسها أي تراتبية متطرفة أو نظرة استعلائية تسعى لتصنيف البشر إلى درجات متفاوتة من القيمة أو الكرامة.
وفي قلب هذا التصور الصوفي، تحتل المحبة مكانة مركزية لا تقل أهمية عن البعد المعرفي أو الفلسفي. فهذا التوجه يقدّم ما يمكن تسميته "دين الحب"، الذي يتجاوز التصنيفات الدينية الضيقة والحدود المذهبية الصارمة، معتبراً أن المحبة هي الأصل الذي انبثق عنه الوجود كله. وبدلاً من الخطاب القائم على الترهيب والتخويف من العقاب الإلهي، أو على لغة الاستعلاء والتفوق، يطرح هذا الفهم الصوفي محبة كونية شاملة، تكون وسيلة للارتباط بالخالق من خلال محبة خلقه ورعايتهم، بحيث يتحول احترام كرامة الإنسان، في هذا المنظور، إلى شكل من أشكال العبادة الحقيقية، لا أقل قيمة من الشعائر التعبدية المعروفة.
ولا يتوقف الأثر المحتمل لهذا المفهوم عند حدود الفرد أو الفكر النظري، بل يمتد إلى المجال التربوي والتعليمي، حيث يرى أصحاب هذا الطرح أن دمج قيم وحدة الوجود في المناهج الدراسية يمكن أن يساهم في تحويل التعليم الديني من مجرد عملية حفظ آلي للنصوص والأحكام، إلى تجربة روحية وإنسانية أعمق، تنمّي في الطالب قيم التعاطف والتسامح والانفتاح على الآخر. فبدلاً من القراءة الحرفية الجافة للنصوص، التي قد تمهّد، بحسب هذا التحليل، لانزلاقات فكرية متطرفة، يتعلم الطالب أن العناية بالطبيعة والرحمة بالإنسان والكائنات جميعها جزء لا يتجزأ من "الأمانة" التي حُمّلها في هذا الوجود.
ويُقدَّم هذا المفهوم أيضاً كاستجابة محتملة لما يمكن وصفه بـ"أزمة المعنى" التي تفرضها بعض الرؤى المادية المتطرفة، أو تلك النزعة الحداثية التي أزاحت البعد المتعالي والروحي عن مركز الحياة الإنسانية. فحين يفقد الإنسان المعاصر، في ظل هذا الفراغ الروحي، إحساسه بالمعنى والاتصال بما هو أكبر منه، فإن بعض الجماعات الراديكالية تجد فرصة لاستغلال هذا الفراغ لجذب الشباب وتقديم أجوبة متطرفة وبسيطة لأسئلة وجودية معقدة. ومن هذا المنظور، فإن إحياء هذا البعد الروحي العميق يمكن أن يسد جزءاً من هذا الفراغ، ويقلل من جاذبية الخطابات المتشددة.
وفي الختام، يشدد المتبنون لهذا الطرح على أن وحدة الوجود لا تعني بأي حال إلغاء الشريعة أو تجاوز الأحكام الفقهية، كما قد يُفهم خطأً من بعض القراءات السطحية لهذا المفهوم، بل هي في جوهرها تأكيد على المقاصد الروحية والأخلاقية العليا التي يقوم عليها التدين الحقيقي، تلك المقاصد التي تجعل من الإيمان وسيلة للسلام الداخلي والوئام الاجتماعي، لا أداة للصدام والعنف والكراهية.
ويبقى هذا الطرح، كما هو شأن غيره من المقاربات الفكرية والروحية لمكافحة التطرف، موضع نقاش وتفاعل بين الباحثين والمفكرين، إذ يرى بعضهم أن جذور الراديكالية تتشكل من تراكم معقد لعوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية ونفسية متشابكة، لا يمكن لمقاربة فلسفية أو روحية بمفردها، رغم أهميتها، أن تعالجها بشكل كامل أو نهائي.
المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/97122006/...