يفتح يوسف حاسوبه كل صباح في مكتب صغير بالرباط. أربع سنوات وهو يكتب الشيفرة نفسها تقريبًا: نماذج تسجيل، وقوائم، وتقارير تُطبع آخر الشهر. يعمل بجدّ، ولا يتغيّب، ويُنهي مهامه في وقتها. لكنه حين قرأ مؤخرًا إعلان وظيفة أعلى رتبة، شعر بشيء يشبه الدوار: المهارات المطلوبة لا يملكها، وزميلته التي التحقت بعده بعامين تملكها. لم تعمل ساعات أكثر منه، ولم تكن أذكى منه بوضوح. كل ما في الأمر أن سنواته الأربع كانت، في الحقيقة، سنة واحدة تكرّرت أربع مرات.
هل الإتقان حصيلةُ كمٍّ من الساعات يكفي أن نراكمه، أم أنه ثمرة نوع مخصوص من التمرين لا يحدث تلقائيًا بمجرد أداء العمل؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف نتمرّن في مهن لا تملك، كالشطرنج أو الكمان، معيارًا واضحًا لما يعنيه «التحسّن»؟
صاغ عالم النفس السويدي أندرس إريكسون (1947-2020) مفهومًا صار من أكثر الأفكار تأثيرًا في دراسة الخبرة: التمرين المتعمَّد (deliberate practice). والمقصود به تمرين موجَّه يستهدف نقطة ضعف بعينها، ويدفع صاحبه قليلًا خارج ما يُحسنه، ويقترن بتغذية راجعة فورية تكشف له الخطأ. ودافع إريكسون عن أطروحتين: أن كمّ التمرين يفسّر جزءًا كبيرًا من الفوارق بين المتفوّقين في الشطرنج والموسيقى والرياضة، وأن بعض أنواع التمرين أنجع بكثير من غيرها.
وفي قلب نظريته تمييز بسيط وحاسم بين الأداء والتمرين. الأداء هو أن تقوم بالعمل، والتمرين هو أن تتحسّن فيه. فأستاذ الشطرنج الكبير يلعب المباريات طبعًا، لكن معظم تقدّمه يأتي من دراسة المواقف وتحليلها، لأن هدفه أثناء اللعب هو الفوز لا التعلّم. والعازف يقف على الخشبة في الحفلات، لكن مهارته الحقيقية تُبنى في غرفة التمرين، وهو يعيد المقطع الصعب مرة بعد مرة حتى يستقيم. وهذا بالضبط ما فات يوسف: لقد كان «يؤدّي» أربع سنوات، ولم «يتمرّن» إلا قليلًا.
وقد عاد الكاتب الكندي سكوت يونغ، صاحب كتاب «التعلّم الفائق» (Ultralearning)، إلى هذه النظرية في مقال حديث على مدوّنته، معترفًا بأنها من أكثر ما شكّل تفكيره في التعلّم، لكنه توقّف عند حدودها بصراحة لافتة.
الاعتراض الأول يمسّ ادّعاء إريكسون بأن التمرين يفسّر كل الفوارق بين النخبة أو معظمها. فقد جمع الباحثون بروك ماكنمارا وديفيد هامبريك وفريدريك أوزوالد بيانات 88 دراسة في تحليل تجميعي نُشر عام 2014، وخلصوا إلى أن التمرين لا يفسّر سوى نحو 12% من الفوارق الفردية في الأداء عبر المجالات المدروسة، وأقل من 1% في المهن. ويوافق يونغ على أن الموهبة والذكاء لهما دور، وأن من يستفيد أكثر من التمرين قد يتحدّد بسمات ثابتة تتجاوز ما قبِل إريكسون الاعتراف به. لكنه يرى أن هذا لا يهدم الفكرة الأساسية: التمرين الكثير ضروري، والتمرين الموجَّه أنجع من مجرد قضاء الساعات في العمل.
الاعتراض الثاني عملي، وهو الأهم لمعظمنا. ففي الشطرنج والموسيقى والرياضة الأهداف واضحة والتدريب مرسوم. أما كتابة المقالات، أو البرمجة، أو العمارة، أو ريادة الأعمال، فما معنى «التحسّن» فيها، وكل مقال موضوع جديد وكل مشروع ظرف مختلف؟ ومن خبرته في تدريس آلاف الطلاب، يستخلص يونغ ثلاثة دروس:
ماذا نتعلّم لا يقلّ أهمية عن كيف نتعلّم. الوقت قصير والتمرين طويل، فاختيار المهارة الجديرة بالتمرين يحسم معظم النتيجة، وهو يقتضي فهم خريطة المهنة: أي المهارات ذات قيمة فعلًا، وكيف تُستثمَر؟ إظهار المهارة صعب كاكتسابها. في المهن التي لا تملك مقياسًا موضوعيًا، يتداخل الاستحقاق مع عوامل اجتماعية: الشهادات، وسجلّ المشاريع الناجحة، وشبكة من يشهدون لك. والنجاح غالبًا خليط من المهارة ومن «علامات» تدلّ عليها. المهارات الواقعية تحتاج تمرينًا في الواقع. ما معنى أن تتقن إدارة المشاريع دون أن تدير مشروعًا حقيقيًا؟ والحلّ عنده ليس فصل التمرين عن العمل، بل جعل العمل نفسه أقرب إلى التمرين: أن نختار مشاريع تتجاوز قدراتنا قليلًا، وأن نفرض على أنفسنا قيودًا تجعل التعلّم أوفر.لم يكن هذا السؤال غريبًا عن تراثنا. ففي «المقدّمة» خصّص ابن خلدون (732-808هـ) فصولًا للصنائع والتعليم بنى فيها تصوّره على مفهوم الملَكة، أي الصفة الراسخة التي تحصل في النفس باستعمال الفعل وتكراره مرة بعد أخرى حتى ترسخ صورته. والحِذق في أي علم أو صنعة، عنده، ليس حفظ مسائله بل حصول هذه الملكة. ويضيف شرطين يلتقيان مع ما انتهى إليه البحث المعاصر: أن جودة الملكة تتبع جودة التعليم وملكة المعلّم نفسه، وأن الصنائع تؤخذ بالمباشرة والمحاكاة لا بالخبر وحده. ولعلّ نظام «المعلّم» و«المتعلّم» في ورشات الحرف التقليدية بفاس ومراكش، حيث يتعلّم الصبيّ النقش أو الدباغة أمام يدَي معلّمه وعلى قطع حقيقية تُباع في السوق، أقرب ما يكون إلى ما يسمّيه يونغ «التمرين في الواقع».
غير أن ابن خلدون يضيف ملاحظة تُعقّد الصورة: من حصلت له ملكة في صناعة، قلّما يُجيد بعدها ملكة أخرى، لأن الأولى تكون قد استحكمت في النفس. وهي ملاحظة جديرة بالتأمّل في زمن يُطلب فيه من الموظف أن «يعيد تأهيل نفسه» كل بضع سنوات. أما الدرس الثاني ليونغ، عن العوامل الاجتماعية، فيعرفه القارئ المغربي جيدًا بعبارة «باك صاحبي»: شبكة العلاقات قد تتقدّم على الكفاءة. والمطلوب هنا ليس إنكار ذلك ولا الاستسلام له، بل إدراك أن الكفاءة التي لا تُرى تحتاج هي الأخرى إلى من يشهد لها وإلى أثرٍ يدلّ عليها.
ربما لا يكون السؤال الأدقّ «كم ساعة عملت؟» بل «كم من هذه الساعات كان تمرينًا حقًا؟». فالتكرار وحده قد يُرسّخ ملكة، لكنه قد يُرسّخ العادة الرديئة بالقدر نفسه. ويبقى سؤال يخصّ كل واحد منا: في العمل الذي نؤدّيه كل يوم، أين يمكن أن نصنع لأنفسنا «غرفة تمرين» صغيرة، وهل نملك الشجاعة لنعود إلى المقطع الصعب بدل أن نعزف ما نُحسنه للمرة الألف؟
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98329489/hal...