في مجموعة واتساب لأصدقاء الدراسة بالرباط، يرسل أحدهم رابطًا عن مشروع قانون يثير الجدل. خلال دقائق تتوالى الردود: «أنا مع»، «أنا ضد»، ومعها رموز تعبيرية لا تحتمل التأويل. وحدها سناء تكتب: «دعوني أقرأ النص أولًا، سأعود إليكم». بعد ساعة يصلها تعليق ساخر من صديق يشاركها آراءها عادة: «ما زلتِ تفكرين؟ الأمر واضح». وفي المساء تتلقى رسالة خاصة من صديق آخر يخالفها في كل شيء تقريبًا: «أقدّر أنكِ لم تتسرّعي». تنام سناء على سؤال لم تتوقعه: هل كان تريّثها ضعفًا أم فضيلة؟ ولماذا رآه كل منهما بعين مختلفة؟
هل التمهّل قبل اتخاذ موقف سياسي علامة على التردد وضعف الالتزام، أم على الجدية وحسن الخُلق؟ ولماذا يبدو أن خصومنا أكثر استعدادًا لتقدير هذا التمهّل من الذين يقفون في صفّنا؟
يسمّي علماء النفس ما فعلته سناء التداول أو التروّي (deliberation)، أي أن يقلّب المرء الخيارات ويزن الحجج قبل أن يحسم. وقد اختبر فريق من جامعة تورنتو، يقوده الباحث زكاري غراي مع بول بلوم وجيسون بلاكس ويوئيل إنبار، كيف يحكم الناس على أخلاق من يتروّى في قضية سياسية. نُشرت النتائج في مجلة «Personality and Social Psychology Bulletin» في سبتمبر 2026، وعرضها موقع PsyPost المتخصص في أخبار علم النفس.
الخلفية مقلقة. فحسب استطلاع مركز «بيو» للأبحاث، كان 47% من الجمهوريين الأمريكيين و35% من الديمقراطيين يرون سنة 2016 أن أنصار الحزب الآخر أقلّ أخلاقًا من عموم المواطنين، ثم قفزت النسبتان سنة 2022 إلى 72% و63%. الخلاف السياسي لم يعد خلاف رأي، بل صار حكمًا على الضمير.
في ثلاث تجارب شملت قرابة 900 مشارك أمريكي، قرأ المشاركون عن قضايا خلافية (الضرائب على الكربون، وحيازة السلاح، والهجرة، والتغطية الصحية الشاملة)، وحدّدوا موقفهم، ثم قيّموا شخصًا افتراضيًا يوافقهم أو يخالفهم، اتخذ موقفه إما «بعد تفكير طويل ومتأنٍّ» أو «على الفور». وجاءت النتيجة غير متناظرة: الخصم المتروّي نال تقييمًا أخلاقيًا أعلى من الخصم المتسرّع (في التجربة الثانية مثلًا ارتفع من نحو 3.9 إلى نحو 4.5 على سلّم من 7)، أما الحليف فلم يتغيّر تقييمه تقريبًا، وبقي في حدود 5.3 سواء تروّى أم لم يتروَّ.
تفسير الباحثين أن التروّي يبعث رسالتين معًا: أن صاحبه متأمّل بذل جهدًا ذهنيًا، وأنه غير متيقّن. الرسالة الأولى تُحسب له عند الجميع، أما الثانية فيرحّب بها الخصم ويستريب منها الحليف. وعند الحلفاء تتعادل الرسالتان فلا يبقى أثر يُذكر. ويلفت غراي إلى أن جزءًا من الاستقطاب قد ينبع من هذا الضغط الخفي: أن نُظهر يقينًا صلبًا أمام جماعتنا كي لا نُتّهم بالتراخي. ويميّز في الوقت نفسه بين التروّي، بوصفه جهدًا، وبين مجرّد التذبذب بين الموقفين، الذي لا يحظى بالتقدير نفسه.
والفكرة قديمة في جوهرها. فأرسطو، في الكتاب الثالث من «الأخلاق إلى نيقوماخوس»، جعل الرويّة خاصة بما هو في مقدورنا ويحتمل أن يكون على غير ما هو عليه؛ فلا أحد يتروّى في الحقائق الأزلية. والسياسة هي بامتياز مجال الممكن والمتغيّر، أي المجال الذي يليق فيه التروّي أكثر من غيره.
ليس كل تروٍّ فضيلة. فالفيلسوف البريطاني برنارد ويليامز صاغ اعتراضًا شهيرًا: رجل يرى زوجته وغريبًا يغرقان، فيتوقّف ليتساءل هل يجوز له أخلاقيًا أن يبدأ بإنقاذ زوجته. يقول ويليامز إن هذا الرجل لديه «فكرة زائدة عن الحاجة» (one thought too many)؛ فبعض المواقف يكون فيها التردد نفسه علامة على خلل في الشخصية. وهذا بالضبط ما وجدته دراسة سابقة سنة 2013 شارك فيها إنبار نفسه: من يتردد قبل أن يُرجع محفظة وجدها يُرى أقلّ نبلًا ممن يُرجعها دون تفكير. فما الذي يجعل السياسة مختلفة؟ يرى الباحثون أن كثيرًا من المواقف السياسية لا تمسّ مصلحة صاحبها مباشرة، فيُقرأ التمهّل فيها جهدًا لا إغراءً، وأن الناس يتوقّعون أصلًا أن تُتّخذ القرارات السياسية بتأنٍّ.
ثم إن الدراسة نفسها تستدعي الحذر. فالتجارب اعتمدت على أوصاف مكتوبة قصيرة، لا على حوارات حقيقية بنبرتها ولغة جسدها، واقتصرت على مشاركين أمريكيين وقضايا أمريكية. وفي التجربة الثالثة لم يبلغ الاختبار الإحصائي الرئيسي، أي الفرق في أثر التروّي بين الحليف والخصم، عتبة الدلالة، وإن ظلّ اتجاه النتائج متّسقًا. ويبقى احتمال أن يكون المشاركون قد افترضوا ببساطة أن الخصم المتروّي يحمل نسخة أكثر اعتدالًا من الرأي المخالف، وهو ما لم تقِسه الدراسة.
في «البيان والتبيين» يقارن الجاحظ بين خطابة العرب وكلام الفرس، فيرى أن كلام العرب يأتي في الغالب عن بديهة وارتجال، وكلام الفرس عن طول فكرة واجتهاد رأي. ولم تكن المقارنة عنده حكمًا بسيطًا لهذا على ذاك، لكنها تكشف أن ثقافتنا الخطابية احتفت طويلًا بسرعة الجواب وحضور البديهة، ورأت فيهما علامة على الفصاحة والثقة. وتلك القيمة لم تختفِ؛ بل وجدت في منصات التواصل بيئة مثالية، يكافئ فيها الخوارزم الردّ الأول والأحدّ.
غير أن التراث نفسه يحمل تقليدًا مضادًا. فآداب البحث والمناظرة اشترطت «تحرير محلّ النزاع» قبل الردّ، أي أن يفهم المناظر بدقة ما يقوله خصمه وأين يقع الخلاف بالضبط، قبل أن يحكم عليه. وهو تقليد يفترض أن الخصم يملك أسبابًا تستحق الفحص، وهو ما تؤكده أبحاث نفسية حديثة وجدت أن الاطلاع على حجج الطرف الآخر يحسّن الانطباع عنه.
وفي النقاشات المغربية الأخيرة، من إصلاح مدونة الأسرة إلى السياسات الاجتماعية، تشكّلت المعسكرات على الشاشات في ساعات، قبل أن تُقرأ النصوص في أحيان كثيرة. ومن تمهّل فيها وجد نفسه غالبًا في موقع سناء: يتّهمه أصحابه بالتردد، ويحترمه مخالفوه.
إذا صحّت هذه النتائج، فإن كلفة التروّي أقلّ مما نخشى، وعائده يأتي من الجهة التي لا ننتظر منها شيئًا. وربما لا يكون الجواب أن نتخلّى عن اليقين، بل أن نجرؤ على إظهار الطريق الذي أوصلنا إليه، بما في ذلك لحظات الشك، وهو قريب من شجاعة أن نقول «لا أدري». ويبقى سؤال لكل واحد منا: في آخر نقاش سياسي خضناه، هل كان تسرّعنا موجّهًا إلى خصومنا أم إلى أصدقائنا الذين نخشى أن يرونا أقل حماسًا منهم؟
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98545203/hal...