يصلك على الهاتف إشعاران في الدقيقة نفسها. الأول يبشّر بنموذج ذكاء اصطناعي جديد يُنجز في ساعة ما كان يستغرق أسبوعًا، والثاني ينقل تحذير خبراء يطالبون بالتمهّل قبل أن يفوت الأوان. وقبل أن تفكر في أي الخبرين أصدق، تشعر بأن عليك أن تنحاز: أنت مع المتحمّسين أم مع المتوجّسين؟ كأن المستقبل مقعدان لا ثالث لهما. غير أن مبرمجًا شابًا، هو فيتاليك بوتيرين أحد مؤسسي شبكة إيثريوم، كتب قبل قرابة ثلاث سنوات مقالة طويلة يقترح فيها ألا نجلس على أي من المقعدين، وأن نغيّر السؤال نفسه.
هل يقتصر الاختيار فعلًا على «أسرع» أو «أبطأ»؟ وإن كان التسارع واقعًا لا مفرّ منه، فهل يبقى لنا ما نقرره؟ أم أن السؤال الأجدر بالطرح هو: إلى أين نُسرّع، ومن الذي يحدد الوجهة؟
نشر بوتيرين في 27/11/2023 مقالة بعنوان «تفاؤلي التقني» (My techno-optimism)، ردًّا على «بيان المتفائل بالتقنية» الذي كان المستثمر مارك أندريسن قد نشره قبل ذلك بنحو شهر. يدعو ذلك البيان إلى حماس متجدد للتقنية وللأسواق والرأسمالية بوصفها وسيلة بنائها، ويرفض ما يسميه أيديولوجيا الركود، أي الخوف من التقدم والرغبة في إبقاء العالم على حاله. لا يعترض بوتيرين على هذا الرفض. فهو يقول إنه يؤمن بمستقبل أكثر إشراقًا بكثير من الحاضر بفضل تقنيات تحويلية، ولا يقبل أن يكون أقصى الطموح إبقاء العالم كما هو مع جشع أقل ورعاية صحية عامة أوسع. لكنه يضيف أن المهم ليس حجم التقدم وحده، بل اتجاهه أيضًا.
يميّز في مطلع نصه بين ثلاث نظرات إلى التقنية: نظرة مناهضة لها، ونظرة تسارعية ترى في تسريعها خيرًا في ذاته، ونظرته هو. وقد سمّى نظرته d/acc. يحيل الحرف d، بحسب الشروح المتداولة للمفهوم، إلى الدفاع (defense) واللامركزية (decentralization) والديمقراطية (democracy) والتفاضل (differential)، أما acc فاختصار «التسارع» (acceleration) الذي شاع على منصات التواصل. وجوهر الفكرة أن التقنيات ليست سواء: بعضها يرجّح كفة من يدافع عن نفسه، وبعضها يرجّح كفة من يهاجم. فلنُعجّل بالأولى قبل الثانية، ولا نترك مسار التقدم للربح وحده. هذا هو التسارع «التفاضلي»: لا نوقف العجلة ولا نتركها بلا موجّه.
من أمثلته على التقنيات الدفاعية البنية التحتية المادية المرنة. فهو يرجّح أن معظم ضحايا أي حرب نووية سيسقطون بسبب انقطاع سلاسل الإمداد لا بسبب الانفجار والإشعاع الأوليين، ويذكر أن حلول الاتصال بالإنترنت التي لا تحتاج إلى بنية أرضية ثقيلة، مثل ستارلينك، كانت حاسمة في إبقاء أوكرانيا متصلة على مدى نحو سنة ونصف. ويرى في الأدوات التي تُمكّن الناس من العيش باستقلال نسبي عن سلاسل التوريد الطويلة تقنيةً دفاعية قلّما تنفع في الهجوم.
أما الذكاء الاصطناعي فيعامله معاملة الحالة الخاصة. يرى أنه يختلف عن سائر التقنيات لأن احتمال بلوغه ما يسمى الذكاء الفائق، أي أنظمة تتجاوز القدرات البشرية في معظم المجالات، احتمال جدي قد ينتهي بأن يصير الإنسان غير صاحب القرار. ويعرض مسارات للتعامل معه: اتحاد دولي يشرف على تطويره، أو ما يسميه «تعدّدية الذكاءات» (polytheistic AI)، أي أن تتنافس ذكاءات كثيرة فلا يطغى أحدها على الباقي. ويميل هو إلى مسار ثالث: تعاون بين الإنسان والآلة، تدعمه واجهات الدماغ والحاسوب وتقنيات تعزيز القدرات، كي يحتفظ البشر بقدرة فعلية على التأثير في العالم. وقد لاحظ مقدّم بودكاست 80,000 Hours في حواره معه أن هذه المقالة نالت استحسان معسكرين متخاصمين: الداعين إلى تسريع الذكاء الاصطناعي والمتخوفين منه.
ليس الجميع مقتنعًا بأن «الدفاع واللامركزية» يكفيان. يصف الباحث مايكل نيلسن، في ملاحظاته على المقالة، نفسه بأنه أكثر تشاؤمًا من بوتيرين: فالتقنية في نظره تركّز السيطرة على البشرية في أيدي صانعي الأدوات، حتى في المشاريع المفتوحة المصدر. وينبّه إلى أثر الانتقاء: متابعو بوتيرين على تويتر مهتمون أصلًا ببدائل لامركزية للنقد الذي تديره الدولة، فلا غرابة أن يعارضوا الحلول المركزية. ومع ذلك يرى نيلسن أن هذا الإطار أقرب إلى الحكمة من ثنائية التسارع الجامح والتشاؤم القاتم. والمفارقة أن بوتيرين نفسه يعترف في نصه بأن تجربته في محاولة الحفاظ على «التعدّدية» داخل منظومة إيثريوم تجعله يخشى أن يكون هذا التوازن غير مستقر بطبيعته.
في أغلب مجتمعاتنا العربية يُطرح سؤال الوجهة من موقع المتلقّي: نستعمل تقنيات صُمّمت في أماكن أخرى وبأولويات أخرى، ثم يُطلب منا رأينا في سرعتها. لذلك قد يبدو نقاش «نُسرّع أم نُبطئ» ترفًا لمن لا يمسك عجلة القيادة. ومثال ستارلينك الذي يسوقه بوتيرين دفاعًا عن مرونة الاتصال يحمل وجهًا آخر نضيفه نحن، ولا يقوله النص: ما يحمي اتصال بلد اليوم يمرّ عبر خدمة تديرها جهة واحدة. فمن يملك «الدفاع»؟ وهل يبقى دفاعًا إذا كان مفتاحه بيد غيرنا؟
وفي تراثنا الفقهي قاعدة متداولة تقول إن دفع المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، وتُستعمل عند الموازنة بين نفع محتمل وضرر محتمل. تشبه هذه القاعدة في ظاهرها الحذر الذي يدعو إليه بوتيرين، لكن بينهما فرقًا في طريقة التفكير: القاعدة ترجّح الدرء عند التعارض، أما «التسارع التفاضلي» فيحاول أن يجد تقنيات تُقلّل الضرر دون أن تعطّل المنفعة، أي أن يوسّع دائرة الممكن بدل أن يختار بين طرفين. والمقارنة هنا بين طريقتين في النظر لا بين حكمين.
ربما لا يكمن الخلاف بين المتحمّس والمتوجّس في مقدار الشجاعة، بل في تصور كل منهما لمن يمسك الدفة. فإذا سلّمنا بأن التسارع واقع، فأي التقنيات نريد أن تسبق غيرها؟ ومن يقرر ذلك؟ وكيف نتأكد من أن ما نسميه «دفاعًا» لن يتحول في يد قوي إلى هيمنة؟
النصوص التي استند إليها هذا المقال:
My techno-optimism - Vitalik Buterin (النص الأصلي، مقالة طويلة تعرض إطار d/acc) Notes on Vitalik Buterin's techno-optimism - Michael Nielsen (قراءة نقدية متعاطفة مع الإطار) Vitalik Buterin on defensive acceleration - 80,000 Hours (حوار مع الكاتب حول مقالته)يلتقي هذا السؤال مع مقالين سابقين في فِكرة. الأول لماذا تلتهم الشاشة شعورنا بمرور الوقت؟، عن أثر التقنية في تجربتنا اليومية للوقت. والثاني لماذا لا نُشبه من كتب قائمة أمنياتنا؟، عن سؤال الوجهة عندما يتعلق بحياة الفرد لا بمستقبل البشرية.
من شبكتنافي منصة ذكاءات، مقالان يقتربان من الموضوع نفسه من زاوية الذكاء الاصطناعي: مسارات تسارع تحسن الذات في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وأزمة الثقة في نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98145279/hal...