تقرأ خبرًا يقول إن "الذكاء وراثي بنسبة ٥٠٪"، فتتخيل فورًا أن نصف ذكائك جاء من جيناتك والنصف الآخر من تربيتك ومدرستك. الرقم يبدو بسيطًا وواضحًا. لكن حين تتفحص معناه العلمي الدقيق، تكتشف أنه لا يقول شيئًا من هذا على الإطلاق.
"نسبة الوراثة" في علم الوراثة الإحصائي لا تقيس مقدار ما يأتي من الجينات في فرد واحد، بل تقيس كم من التفاوت بين أفراد مجموعة معينة يمكن تفسيره بالفروق الجينية بينهم، مقارنة بالفروق البيئية. الفارق دقيق لكنه جوهري: فلون العين، مثلًا، وراثي بنسبة تقارب ١٠٠٪ لأن الجينات تحدد النتيجة أيًّا كانت البيئة؛ أما اللغة التي يتحدثها طفل فوراثتها قريبة من الصفر، رغم أن اللغة نفسها "منقولة" اجتماعيًا بالكامل، لأن أي طفل مهما كانت جيناته سيتحدث لغة من رباه. والأغرب أن الرقم نفسه يتغيّر بتغيّر المجموعة المدروسة: مهارة قد تكون وراثتها صفرًا داخل مجتمع متجانس، ثم تقفز إلى ٥٠٪ إذا قارنّا بين مجتمعين مختلفين بيئيًا وجينيًا معًا. الرقم إذن لا يخبرنا عن فرد واحد، ولا حتى عن سبب ثابت، بل عن توزيع تفاوت داخل ظرف محدد، في عالم كما هو اليوم لا كما يمكن أن يكون.
هذا التوتر بين "ما يُعطى" و"ما يُكتسب" ليس غريبًا عن الفكر العربي الإسلامي؛ فقد شغل الجدل حول القدر والاختيار المتكلمين قرونًا: هل أفعال الإنسان وصفاته محكومة سلفًا أم قابلة للتغيير بالإرادة والتربية؟ واللافت أن كثيرًا من النقاش الشعبي اليوم حول "الوراثة" يعيد إنتاج القطبية نفسها -جينات ثابتة مقابل بيئة مرنة- بنفس البساطة التي رفضها المتكلمون القدامى حين تجنّبوا اختزال الإنسان في قطب واحد.
ربما السؤال الأدق ليس "كم من ذكائي وراثي؟"، بل: أمام أي مجموعة أُقارن نفسي؟ وفي أي ظرف بيئي قيست هذه النسبة أصلاً؟ فرقم واحد قد يعني أشياء متناقضة تمامًا بحسب من يُسأل ومتى وأين -فهل ما نظنه حقيقة ثابتة عن أنفسنا هو في الغالب انعكاس للسياق الذي وُلدنا فيه فحسب؟
النص الأصلي الذي استند إليه هذا المقال:
Heritability puzzlers - Dynomight (النص الأصلي، يشرح المفهوم عبر سلسلة من الأمثلة العلمية المدقّقة)يلتقي هذا السؤال مع مقالين سابقين في فِكرة. الأول لماذا نخشى أن نقول: لا أدري؟، إذ يشترك الموضوعان في التشكيك برقم أو إجابة تبدو حاسمة بينما هي أعقد بكثير مما تبدو عليه. والثاني لماذا لا نُشبه من كتب قائمة أمنياتنا؟، فكلاهما يسأل عن الحدّ الفاصل بين ما هو ثابت فينا وما هو قابل للتغيّر.
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98043183/maa...