في حوار نشرته مجلة «لا في دي إيدي» الفرنسية في 30 أكتوبر 2026، أجراه جول نوديه، تطرح الباحثة ساندرا ريستوفسكا سؤالا يتجاوز قاعات المحاكم إلى حياتنا اليومية: ماذا يبقى من الثقة في الصورة بعد أن صار في وسع أي هاتف أن يصنع مشهدا لم يحدث قط؟ وجوابها أن الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق لا يخلقان أزمة من العدم، بل يضاعفان مشكلات قديمة تتعلق بالإثبات والتأويل وعدم المساواة أمام العدالة.
الصورة في المحكمة: بين التوضيح والإثباتتنطلق ريستوفسكا، أستاذة دراسات الإعلام في جامعة كولورادو بولدر ومؤسِّسة «مختبر الدليل البصري» فيها، من التاريخ، لأن القانون في رأيها يفكر بالقياس، فيفهم الوسائط الجديدة انطلاقا من القديمة. ففي أواخر القرن التاسع عشر ابتكر القضاء الأمريكي صنف «الأدلة التوضيحية» لتنظيم قبول الصور الفوتوغرافية: الصورة لا تثبت شيئا بذاتها، بل تكتسب معناها من شهادة من يتحدث عنها. غير أن هذا الصنف ظل، كما تقول، مترددا بين التوضيح من جهة والإثبات من جهة أخرى.
ومع الفيديو، الذي تشبّهه الباحثة بصورة مصحوبة بالصوت، اتسعت المسافة: فالتسجيلات تُستعمل اليوم أدلة مباشرة قادرة على إثبات واقعة بمفردها. وفي زمن كاميرات المراقبة، إذ لا يحضر المشهدَ أحد سوى العدسة، قبلت المحاكم ما يُعرف بقاعدة «الشاهد الصامت»، أي أن التسجيل يتكلم عن نفسه إذا لم يوجد شاهد آخر.
زاوية الكاميرا تغيّر الحكمالمعضلة، بحسب ريستوفسكا، ليست في تعنّت المحاكم، بل في أن التواصل بالصور يختلف جذريا عن التواصل بالكلمات والأرقام. وقد رصدت مع زميلتها الباحثة يائيل غرانو مواطن ضعف في طريقة التحقق من الفيديو داخل القضاء، أبرزها صعوبة تمييز المشاهد بين ما هو مهم قانونيا وما ليس كذلك، مع ميله إلى المبالغة في وزن ما يبدو له مهما.
وتستشهد الباحثة بتجارب في علم النفس الاجتماعي تعود إلى عقود، تدرس ما يسمى «انحياز منظور الكاميرا» في الاعترافات المصوّرة. يؤدي ممثلان دوري محقق ومشتبه به، ثم يُعرض المشهد نفسه بلقطتين: الأولى لا تُظهر إلا المشتبه به، فيميل المشاهدون إلى اعتبار اعترافه صادقا؛ والثانية تُظهر الطرفين معا، فيقرأ المشاهدون في نظرات المتهم المنخفضة علامة ترهيب، ويرجّحون أن الاعتراف انتُزع تحت الضغط. لم يتغير شيء في المشهد، تقول ريستوفسكا، سوى زاوية التصوير. وفي المحكمة، إذ تُحسم البراءة أو الإدانة ومدة السجن، لا يعود اختلاف التأويل تفصيلا ثانويا.
التزوير أقدم من الذكاء الاصطناعيتعمل ريستوفسكا هذا العام، ضمن زمالة مركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية بجامعة ستانفورد، على كتاب جديد يؤرّخ للتلاعب بالصور المقدَّمة أدلةً أمام القضاء الأمريكي منذ اختراع التصوير الفوتوغرافي. وتذكّر بأن الصحف الأمريكية خاضت منذ عام 1897 نقاشا واسعا حول مقولة «الصور لا تكذب»، معتبرة إياها فكرة تجاوزها الزمن بسبب تقنيات الرتوش.
وفي عام 1912، ضاق الرئيس الأمريكي ويليام هوارد تافت ذرعا بصور مركّبة تُباع للسياح في واشنطن يظهر فيها مصافحا إياهم، فأعدّت وزارة العدل مشروع قانون لحظر صنع الصور المزيفة وتداولها، قدّمه السيناتور هنري كابوت لودج إلى مجلس الشيوخ، لكنه لم يُعتمد قط.
أما المثال الأبلغ عند الباحثة فهو محاكمة النقابي توم موني في سان فرانسيسكو، إثر تفجير استهدف موكب «يوم الاستعداد» عام 1916 وأودى بحياة عشرة أشخاص. فقد وُجدت صور تُظهر موني وزوجته على سطح مبنى يتابعان الموكب، وفي خلفيتها ساعة كان تكبيرها كفيلا بكشف توقيت قد يبرّئه. لكن الادعاء نجح في استبعادها بحجة احتمال تعديلها. ويرى مؤرخو الحركة العمالية، كما تذكر ريستوفسكا، أن القضية كانت محاكمة سياسية مدبّرة منذ البداية.
«دمقرطة الاحتيال»ما الجديد إذن؟ تجيب ريستوفسكا بأن التزوير كان في القرن التاسع عشر حرفة تتطلب معدات واستوديوهات ومهارة، أما اليوم فيكفي حاسوب محمول أو هاتف وتطبيق ووصف نصي قصير لإنتاج فيديو في دقائق، ثم تتكفل الشبكات الاجتماعية بنشره عالميا قبل أن يتساءل أحد عن صحته. ولذلك تستعيد عبارة القاضي الفيدرالي الأمريكي السابق بول غريم وزميلته الباحثة ماورا غروسمان بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي «دمقرط الاحتيال». ويزيد التزييف العميق على ذلك قدرته على اختلاق مشهد من لا شيء، في حين كانت أساليب التلاعب التقليدية تحتاج دائما إلى أصل تعدّل فيه.
وتشير الباحثة إلى نقاش داخل الهيئات القضائية الأمريكية المعنية بقواعد الإثبات حول قلب عبء الإثبات، بحيث يُطالَب من يدّعي أن دليلا ما مزيف بتقديم ما يسند ادعاءه قبل أن يؤخذ على محمل الجد. لكن الوجه الآخر للمشكلة لا يقل خطورة: فقد يفقد فيديو أصيل تماما، صُوّر بهاتف، جزءا من وزنه أمام المحلفين لمجرد أنهم لم يعودوا واثقين من قدرتهم على تمييز الحقيقي من المصطنع.
من يدفع الثمن؟لا تتوزع هذه المخاطر بالتساوي في نظر ريستوفسكا. فالفيديو أداة ذات حدين: ساعدت تسجيلات الهواتف التي صوّرها ناشطون وشهود في كشف انتهاكات لحقوق الإنسان واستُعملت بنجاح أمام المحاكم، وقد خلصت دراسة لمختبرها إلى أنها قد تؤدي دورا حاسما في الدفاع عن الحقوق الدستورية أمام القضاء الأمريكي. لكنها قد تعمّق أيضا الفوارق العرقية والإثنية والجندرية القائمة في النظام القضائي.
وتذكر الباحثة أنه رُصدت حتى الآن 14 حالة اعتُقل فيها أشخاص، بسبب أنظمة للتعرف على الوجوه تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بجرائم لم يرتكبوها، وقضوا في السجن ما بين ليلة واحدة وسبعة عشر شهرا، وأغلبهم من السود. أما ضحايا التزييف العميق في القضايا الناشئة فأغلبهم من النساء، ولا سيما في نزاعات العنف الأسري، إذ قد تُتهم امرأة بخرق أمر إبعاد استنادا إلى صورة مفبركة، فتقضي أياما في الحجز قبل أن تنجلي الحقيقة.
ليست مسألة تقنية فحسبلا تؤمن ريستوفسكا بحل سحري، لكنها تقترح مسارات عدة: تدريب القضاة على آليات الإدراك البصري والعوامل التي تتحكم في قراءتنا للصور، على غرار التكوين المتخصص الذي يتلقونه في الولايات المتحدة؛ وصياغة توجيهات للمحلفين في القضايا التي تتضمن أدلة مصوّرة، على منوال التوجيهات القائمة بشأن شهادات العيان رغم نتائجها المتفاوتة؛ ومبادرة هيئات المحامين إلى توضيح قواعد السلوك المهني عند تقديم أدلة مولّدة أو محسّنة بالذكاء الاصطناعي أو الطعن فيها، مع عقوبات واضحة لمن يقدّم تزييفا عميقا عن علم. ويدعو باحثون قانونيون آخرون، كما تشير، إلى إلزام الأطراف بالإفصاح في الوقت المناسب عن كل استعمال للذكاء الاصطناعي، سواء في التعرف على الوجوه أو تحسين الفيديو أو تحليله.
وتختم بتحذير من اختزال القضية في سباق بين أدوات التزييف وأدوات الكشف. فالحاجة إلى تقنيات توثيق أفضل قائمة بلا شك، لكن سؤال «هل الصورة حقيقية أم مزيفة؟» ليس سوى نقطة البداية؛ إذ تظل طريقة نظرنا إلى الصورة، وما نحمله إليها من تجارب وأفكار، عاملا حاسما في ما نراه فيها.
المصدر : https://nour.soubha.com/articles/i/98552648/hal-ma...