☰

هل ما زال لليمين واليسار معنى؟


الأربعاء 14 أكتوبر 2026 à 19:38 |



على جدار قرب محطة الترامواي في الدار البيضاء، تتجاور ملصقات أحزاب بألوان مختلفة. يقرأ سعيد، أستاذ التعليم الثانوي، الشعارات واحدًا واحدًا: «الكرامة»، «العدالة الاجتماعية»، «التشغيل»، «الإصلاح». يحاول أن يتذكّر أيّها كان يُحسب على اليسار وأيّها على اليمين، فلا يسعفه شيء؛ الوعود متشابهة، والمفردات نفسها تتنقّل بين اللافتات كأنها ملك مشاع. وفي المساء، على شاشة هاتفه، يجد العكس تمامًا: معارك محتدمة بين «يساريين» و«يمينيين» حول كل شيء، من الضرائب إلى المسلسلات. في الشارع لا يكاد يُرى الفرق، وعلى الشاشة لا يُرى سواه.



السؤال

هل ما زال التمييز بين اليمين واليسار يقول شيئًا عن العالم، أم صار مجرّد بقايا لغوية من قرنين مضيا؟ وإذا كان قد فقد معناه الحزبي، فهل يمكن أن يستعيده بوصفه طريقة في النظر، لا انتماءً إلى تنظيم؟


الفكرة: اليسار زاويةُ نظر لا مؤسسة

هذا هو السؤال الذي يعود إليه الفيلسوف المغربي عبد السلام بنعبد العالي، عضو أكاديمية المملكة المغربية، في مقالة نشرها موقع «كيد» بعنوان «يسار/يمين». ويبدأ بمفارقة لافتة: في ثلاثينيات القرن الماضي سُئل الفيلسوف الفرنسي آلان (إميل شارتييه) عمّا إذا كانت القسمة بين أهل اليمين وأهل اليسار ما زالت ذات معنى، فكتب في أحد «أحاديثه» سنة 1930 أن أول ما يخطر له هو أن صاحب السؤال ليس رجلًا من اليسار. وبعد نحو نصف قرن، صار تعريف «المثقف اليساري»، في جواب فيلسوف آخر، أنه من يقول إن هذه القسمة فقدت معناها. نصف قرن كان كافيًا لينتقل المثقف اليساري من الخوف على المفهوم إلى التخلّي عنه.

والثنائية نفسها ليست قديمة كما نتخيّل. فجلوس النواب يمين القاعة ويسارها يرجع إلى نقاشات الجمعية التأسيسية الفرنسية سنة 1789، لكن استعمال الكلمتين لتسمية معسكرين سياسيين لم يترسّخ، كما يذكّر بنعبد العالي، إلا في عهد «عودة الملكية» بعد سقوط نابليون، وتحديدًا مع الدورة البرلمانية لسنتي 1819 و1820. للزوج إذن تاريخ ميلاد، وربما تاريخ أفول.

قبل السياسة، كانت لليمين واليسار حمولة رمزية في ثقافات وأديان كثيرة: ارتبط اليمين بالبركة والصواب والمهارة وحسن الطالع، واليسار بالنقص والشؤم بل بالمكر. غير أن بنعبد العالي يلفت إلى أن بعض تقاليد الشرق الأقصى قلبت الصورة؛ ففي تقاليد صينية ارتبط اليسار بالـ«يانغ» والسماء، واليمين بالـ«ين» والأرض (والين واليانغ قطبان متكاملان في الفكر الصيني، يقابل أحدهما الآخر دون أن ينفيه). والأهم أن الطرفين هناك متقابلان لا متناقضان.

ولإنقاذ الثنائية، يستعين بنعبد العالي بجيل دولوز في «أبجدية دولوز»، وهي سلسلة حوارات مصوّرة أجرتها معه كلير بارني، عند حرف «G» المخصّص لليسار. يرى دولوز أن اليسار ليس مؤسسة، ولا يمكن أن توجد «مؤسسة يسارية» بالمعنى الدقيق؛ قد تتعاطف مؤسسات مع اليسار، لكنها لا تتماهى معه. اليسار عنده مسألة إدراك وزاوية نظر. النظرة «اليمينية» تبدأ من الدائرة الأقرب: الفرد، ثم الحيّ، فالمدينة، فالبلد، فالعالم، وترى مشكلات الدوائر البعيدة امتدادًا للقريبة؛ وهي ما يسمّيه بنعبد العالي، مستعيرًا عبارة نيتشه، «منظور الضفدع». أما النظرة «اليسارية» فتبدأ من الأفق، من العالم نحو الذات، فتجعل مشكلات البعيد مشكلاتها، وهي في صورته «نظرة الجمل» التي تُصغّر ما يبدو كبيرًا.

ثم يأتي المفهوم الأدقّ: الصيرورة-أقلّيةً (devenir-minoritaire). والصيرورة هنا تعني التحوّل المستمر بدل الثبات على هوية جاهزة. أما الأقلية فليست عددًا؛ فالأقليات مجتمعة أكثر عددًا من «الأغلبية». الأغلبية عند دولوز معيار ثابت ونموذج مفروض، والأقليات حركة دائمة. لا يولد المرء في الأقلية، بل يصيرها. وبهذا المعنى يخلص بنعبد العالي إلى أن «الكينونة يسارًا» ليست صفة نحملها على الجبين، ولا عضوية في حزب، بل حركة تزحزح باستمرار الحدّ الفاصل بين الطرفين دون أن تلغي الفرق بينهما، وتمنعه من التحجّر في تقابل مطلق. والأصعب أن هذه الحركة يجب أن تنقلب على صاحبها: أن يسائل يقينياته، وأن يفكّك الهوية التي يتكلم باسمها؛ لأن من يدّعي الانحياز للأقليات ثم يعفي نفسه من النقد يعيد إنتاج المعيار الذي يحاربه.


الصوت المخالف: المساواة لا زاوية النظر

الاعتراض الأول صاغه الفيلسوف الإيطالي نوربرتو بوبيو في كتاب صغير نشره سنة 1994 بعنوان «اليمين واليسار»، ولقي رواجًا واسعًا. رأى بوبيو أن الثنائية لم تمت، وأن معيارها الأكثر ثباتًا هو الموقف من المساواة: اليسار يميل إلى اعتبار أغلب أشكال اللامساواة بين البشر اجتماعية يمكن تقليصها، واليمين يميل إلى اعتبار كثير منها طبيعيًا أو عصيًّا على الإزالة. هنا لا تصير الثنائية نظرة إدراكية فحسب، بل خيارًا يمكن قياسه في السياسات العمومية: الضرائب، والتعليم، والصحة.

والاعتراض الثاني يأتي من داخل منطق دولوز نفسه: إذا كان اليسار ضدّ كل مؤسسة، فكيف يحكم؟ الصيرورة الدائمة تحمي من التحجّر، لكنها قد تنقلب عجزًا عن البناء، وتعاليًا أخلاقيًا على من يتحمّلون عبء إدارة المدارس والمستشفيات. وقد يرى قارئ آخر أن «رؤية العالم قبل الحيّ» قد تصير هروبًا من الواجبات القريبة: أن نتحمّس لقضايا بعيدة، ونهمل جارًا محتاجًا في الطابق نفسه.


السياق العربي: ثنائية رمزية قديمة وخريطة سياسية مستوردة

في تراثنا، للثنائية جذور رمزية عميقة: فالقرآن يقابل في سورة الواقعة بين «أصحاب الميمنة» و«أصحاب المشأمة»، والمأثور النبوي يستحبّ التيمّن في كثير من الأفعال اليومية. وهي حمولة قريبة مما يصفه بنعبد العالي في الثقافات التقليدية. لكن نقل الثنائية إلى السياسة العربية الحديثة جرى في الغالب استيرادًا: يسار قومي وماركسي ونقابي، ويمين محافظ أو ليبرالي، وتيارات أخرى، منها الحركات الإسلامية، لم تجد مكانها بيسر في هذه الخريطة المستوردة.

وفي المغرب تحديدًا، عاش اليسار امتحان دولوز من الجهة المقابلة: أحزاب تشكّلت هويتها في معارضة طويلة، ثم دخلت الحكومة مع تجربة «التناوب التوافقي» سنة 1998 بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، فطُرح عليها سؤال لم يتوقف النقاش حوله إلى اليوم: كيف تبقى يسارًا وهي تصير «مؤسسة» تدير الدولة؟


ما الذي يبقى؟

ربما لم يعد السؤال المفيد «هل أنت يميني أم يساري؟» بل «من أيّ دائرة تبدأ نظرتك إلى العالم؟». وعلى الشاشات، حيث تتحوّل الكلمتان إلى شارات انتماء في معارك التعليقات، يبدو ما يقترحه بنعبد العالي تمرينًا صعبًا: أن يكون الانحياز حركة لا هوية، وأن يطال النقد صاحبه أولًا، وهو تمرين قريب من شجاعة أن نقول «لا أدري». ويبقى سؤال لكل واحد منا: متى كانت آخر مرة راجعنا فيها قناعة نعدّها جزءًا من هويتنا، لا لأن خصمًا هاجمها، بل لأننا قرّرنا أن ننظر إليها من الخارج؟


للقراءة عبد السلام بنعبد العالي، «Gauche/droite» على موقع Quid.ma (13 أكتوبر 2026): النص الذي انطلق منه هذا المقال، بالفرنسية. جيل دولوز وكلير بارني، «أبجدية جيل دولوز» (L'Abécédaire de Gilles Deleuze)، حرف G «اليسار»: الحوار الأصلي المصوّر الذي يعرّف فيه دولوز اليسار بوصفه مسألة إدراك. نوربرتو بوبيو، «اليمين واليسار: أسباب التمييز السياسي ودلالاته» (Destra e sinistra، 1994): أبرز دفاع عن استمرار الثنائية بمعيار المساواة. مارسيل غوشيه، «اليمين واليسار»، ضمن موسوعة «أماكن الذاكرة» بإشراف بيير نورا: دراسة تاريخية في نشأة الثنائية وترسّخها.

اقرأ أيضًا في فِكرة وشبكتنا لماذا نخشى أن نقول: لا أدري؟، عن الشجاعة التي يحتاجها من يراجع يقينياته. اكتشف منصّات شبكة المقالاتي العربية.



المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98364182/hal...


: في نفس القسم