في عام 2025، اشتدّ الجدل في فرنسا حول حضور الرموز المسيحية في الفضاء العام: من المهد في الساحات البلدية إلى أسواق الشتاء، بين حرصٍ على العلمانية وحساسيةٍ اجتماعية متزايدة. تتجاور تهاني «موسم الأعياد» مع «عيد الميلاد» في الإضاءة، وتُثار أسئلة عن مدى مشروعية عرض مشاهد دينية وعن تأثيرها على الجمهور، فيما تتحرك البلديات والمحاكم والإعلام على وقع نقاشٍ لا يهدأ.
في مقال رأي لبرتران دو سان فنسون نُشر بموقع «لو فيغارو» بتاريخ 20 ديسمبر 2025، يتجلّى التوتر في تفاصيل يومية: تُفضِّل مؤسسات عامة استخدام عبارة عامة لتفادي «إغضاب» أيّ فئة، فيما ترى أسر كثيرة—ومنها من هي بعيدة عن الممارسة الدينية—في مشهد الميلاد تعبيراً بسيطاً عن الأمل والدفء العائلي. بين نصب المهد في الكنائس وبعض البلديات، وتحرّك ناشطي العلمانية أمام القضاء، تُطرح أسئلة عن حرية المعتقد وحدود الحياد وعن ما إذا كانت مشاهد دينية «تهدّد» سلامة الأطفال أو تؤثر على «الضعف الجماعي»، وهي صياغات قانونية وإعلامية تعكس اتساع الهوّة الثقافية.
في بروكسل، اتُّخذ خيار بصري لافت: شخصيات القصة المقدسة في المهد بلا ملامح محدّدة. الحُجّة أخلاقية-اجتماعية: تجنّب تثبيت هوية أو لون أو جنس معيّن على يوسف ومريم والرضيع، وتحويل «السانتون» إلى ظلال «شاملة» منحنية فوق مهدٍ بلا زمنٍ معلوم. غير أنّ هذا الحياد الشكلي يثير سؤالاً عن معنى الرمز حين يُفرّغ من تفاصيله التاريخية والجمالية، وهل يُسهِم ذلك في إدماجٍ أوسع أم في إبهامٍ يُضعف الرسالة.
أسواق الميلاد بدورها تغيّرت: إعادة التسمية إلى «متعة الشتاء» في بروكسل أو «رحلة في الشتاء» في نانت، واشتداد حضور الفنّ المعاصر، وتشديدٌ أمني في مدن ألمانية مثل ماغديبورغ؛ كل ذلك على خلفية حوادث دامية ذُكِرت في السرد الإعلامي، مع ذاكرة مريرة لهجوم ستراسبورغ الذي حصد أرواحاً وخلّف جرحى. هذا المزج بين الطابع الاحتفالي واليقظة الأمنية يُظهِر كيف صار المجال العام ساحةً لمعادلة صعبة تجمع الأمان والهوية والاقتصاد المحلي.
أما تقاويم «زمن المجيء» فقد ابتعدت عن رمزيتها الأصلية، لتغدو منصّاتٍ استهلاكية لكل شيء: شوكولا وألعاب ومستحضرات تجميل وشاي ومنتجات بروتينية وحتى إكسسوارات جنسية، وصولاً إلى «تقويم ما بعد» بلا معنى واضح. وفي مشهدٍ يُعيد إنتاج دور «الملوك المجوس» بصورة معاصرة، تُقدّم مؤثِّراتٌ محتوى دعائيّاً محمولاً بالهدايا ومرعيّاً من علامات تجارية، في تلاقيٍ صريح بين الثقافة الشعبية والتسويق.
وسط هذا كلّه، يبقى السؤال الثقافي أكبر من طقسٍ موسمي: هل يمكن أن تُحجَب المشاهد الدينية تدريجياً بحجّة الحياد، أم أنّ حضورها الرمزي—حتى لدى غير المتديّنين—يؤكد حاجةً اجتماعية لمعاني الأمل والانتماء؟ من هو يسوع المسيح الذي «يرفض أن يموت» رمزياً في الوعي العام؟ وبين «فرنسا ابنة الكنيسة البِكر» وجمهورٍ متنوّع، ما تزال هناك جيوب مقاومة ومعالجات براغماتية قبل أن تفقد البلاد ذاكرتها الروحية نهائياً.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93324087/hl-t-hgb-...