☰

هل تجعلنا الرغبة أكثر ذكاءً؟


الأحد 27 شتنبر 2026 à 17:53 |



تنتبه فجأة إلى أنك تقرأ كتابًا لم تكن لتفتحه لولا أن أحدًا ذكره أمامك بحماسة، وأن أغنية لم تكن من ذوقك صارت تعود إليها كل مساء. وتلاحظ ما لم تكن تلاحظه: نبرة صوت، طريقة في الضحك، جملة قيلت عرضًا. ليس في الأمر سوى افتتان بشخص لا تعرفه جيدًا، ومع ذلك يبدو العالم أوضح وأكثر ألوانًا، ويرافقك معه خوف من الخيبة. فهل هذا الافتتان وهمٌ يُربك العقل، أم شكل غريب من اليقظة؟



السؤال

هل الرغبة، حتى في أكثر صورها ارتباكًا، نقيضٌ للتفكير الهادئ أم بابٌ إليه؟ وإذا كانت تفتح العين على ما لم نكن نراه، فهل تستحق ما قد تكلّفنا من ألم؟


الفكرة

تدافع كاتبة تنشر باسم «maja» في نشرتها Velvet Noise، في مقال بتاريخ 01/07/2025، عن فكرة تبدو استفزازية: أن يكون لك «افتتان» بشخص ما، حتى دون أن يبادلك، من أفضل ما يمكن أن يحدث لعقلك ولحياتك. وهي تسوق ثلاث حجج. الأولى أن الافتتان يصقل الذات والذوق: تسأل نفسها عمّا تتمنى لو كان فيها من صفات من تُعجب به، فتكتشف جزءًا منها يستيقظ، وتعترف بأنها تدين بجانب من ذوقها في الصورة والموسيقى والنقاش لأشخاص أحبّتهم. والثانية أنه يجعل الحياة أكثر حيوية: فمن يشكو من رتابة الأيام تسأله متى كان آخر افتتان له، لأن الحب، وإن لم يدم ولم يُبادَل، ليس مهدورًا، ففعل الحب نفسه اتساعٌ للنفس. والثالثة أنه يجعلنا أكثر ذكاءً: فالمفتون ينتبه إلى كل شيء، ولذلك تصف الرغبة بأنها «تقنية للإدراك» ترفع الانتباه وتُدخل صاحبها في الحاضر.

وتستدعي الكاتبة سندًا فلسفيًا قديمًا. ففي محاورة «المأدبة» لأفلاطون يظهر إيروس وسيطًا يرفع الإنسان من الافتتان بالجمال المحسوس نحو التأمل في الجمال ذاته، فتغدو الرغبة طريقًا إلى المعرفة لا عائقًا دونها. وتقترب منها الشاعرة الكندية آن كارسون في كتابها «إيروس المرّ الحلو» (1986)، إذ ترى أن التفكير نفسه فعل مدّ: يعبر العقل المسافة بين ما يعرفه وما لا يعرفه، وتسمّي تلك المسافة «فضاءً إيروسيًا». أما الكاتبة الأمريكية أودري لورد فتوسّع المعنى إلى أبعد من العلاقات العاطفية، فالإيروسي عندها طاقة خلاقة وقوة داخلية لا تُختزل في الجسد وحده.


الصوت الثاني

لكن الرغبة لم تكن دائمًا موضع مديح. ففي التقليد البوذي يُعدّ التوق (tanha) أصل المعاناة، ويرى شوبنهاور، في «العالم إرادةً وتمثّلًا»، أن الرغبة سعي لا ينتهي: إن لم تُشبَع آلمت، وإن أُشبعت أورثت مللًا أو رغبة جديدة. ومن هذه الزاوية يبدو مديح الافتتان دعوة إلى قلق دائم. وثمة اعتراض أقرب إلى الواقع: فمثل هذا المديح يفترض حياة يملك صاحبها الوقت والأمان ليجرّب ويتألم ثم يتعافى. والكاتبة نفسها لا تُنكر ذلك، فهي تقرّ بأن الخوف لم يفارقها، وتؤكد أنها لا تدعو إلى مطاردة من لا يبادلنا، وتعدّ ذلك إهمالًا متهوّرًا للذات.


السياق العربي

لهذا النقاش جذور في تراثنا. ففي «طوق الحمامة» يفتتح ابن حزم الأندلسي، القرطبي في القرن الحادي عشر الميلادي، حديثه عن الحب بعبارة صارت مأثورة: «الحب أوله هزل وآخره جد»، ويضيف أن حقيقته لا تُدرك إلا بالمعاناة، وأنه ليس منكرًا في الديانة ولا محظورًا في الشريعة. غير أنه يخالف الاحتفاء بالافتتان العابر: فهو لا يكاد يصدّق من يدّعي الحب من نظرة واحدة، ويعدّ ذلك ضربًا من الشهوة، ويقول إن الحب لم يلصق بأحشائه إلا مع الزمن الطويل ومعاشرة الشخص. فالرغبة عنده تعلّم شيئًا، لكن بشرط أن يمتحنها الزمن.

وفي تقاليد الغزل العذري بقي التوق نفسه جزءًا من المعنى، لا مجرد طريق إلى الظفر بالمحبوب، وعند كثير من المتصوفة انتقل الشوق من المحبوب البشري إلى المحبوب الأعلى. فهل نملك اليوم لغة عادية نتحدث بها عن الرغبة، بعيدًا عن الأغنية والشعر؟


ما الذي يبقى؟

ربما لا يكمن الخلاف بين من يمدح الرغبة ومن يخشاها في تقدير حجم الألم، بل فيما نطلبه منها. فإن طلبنا منها السعادة خذلتنا، وإن طلبنا منها اليقظة أعطتنا الكثير: انتباهًا أدق، وذوقًا أوضح، وسؤالًا عن أنفسنا: ما الذي أراه في هذا الشخص وأتمنى لو كان فيّ؟ لكن هذا كله تأمل فلسفي، ولا يغني عن سند حقيقي لمن يمرّ بحزن ثقيل بعد فقد أو انكسار. فماذا يبقى من الافتتان إذا انتهى دون أن يُبادَل: انتباه أعمق أم مجرد وجع؟ وكم من الوجع نقبله ثمنًا لحياة أوضح؟


للقراءة

النص الأصلي الذي استند إليه هذا المقال، ومراجع يمكن العودة إليها للتوسّع:

The Intelligence of Desire - velvet noise (النص الأصلي، تأمل شخصي لا دراسة علمية) آن كارسون، Eros the Bittersweet (1986)، عن التفكير بوصفه امتدادًا عبر المسافة بين المعلوم والمجهول. تنسب صاحبة النص الأصلي إلى كارسون عبارة عن الرغبة والذكاء لم نعثر لها على أصل موثّق، ولذلك لم نقتبسها هنا ابن حزم الأندلسي، «طوق الحمامة في الألفة والألّاف» (الرابط في المقال لعرض صحفي للكتاب، لا للنص الأصلي) أفلاطون، «المأدبة»؛ وأودري لورد، «استخدامات الإيروسي: الإيروسي بوصفه قوة» (1978)

اقرأ أيضًا في فِكرة

يلتقي هذا السؤال مع مقالين سابقين في فِكرة. الأول النفط والروح: سؤال الثروة في أفضل فيلم بالقرن الـ21، عن رغبة لا تكتفي بما تملك وتلتهم صاحبها، وهي الوجه المظلم للسؤال المطروح هنا. والثاني لماذا لا نُشبه من كتب قائمة أمنياتنا؟، عن الرغبات التي نظنها ثابتة ثم تتبدّل.




المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98145461/hal...


: في نفس القسم