تقدّم متابعة إذاعية حديثة نقاشاً حول الطريقة التي تُنتج بها الاستطلاعات معطيات عن قضايا حسّاسة كالدين والهوية، وكيف تُستقبل في الفضاءين السياسي والإعلامي. وتستند القراءة إلى حلقة من برنامج “L’actu des idées” على إذا France Culture، التي جمعت مديراً في IFOP وباحثاً جامعياً في العلوم السياسية لمدارسة حدود المنهج ووقع النتائج.
تُعرض بدايةً الحجّة المؤيدة لفكرة أن الاستطلاعات تؤدّي وظيفة “تأطير” للنقاش العمومي عبر تصحيح تقديرات رأي عام كثيراً ما تُغذّيها الانطباعات، مقابل حجّة نقدية ترى منذ نشأة هذا المجال مع غالوب أن الأداة قد تتحول إلى قوة مهيمنة على الإيقاع الديمقراطي وأن “القياس” لا ينفصل عن شروط إنتاجه وسياقات توظيفه.
ويُشار إلى مثالين راهنين أثارا جدلاً واسعاً: دراسة IFOP حول علاقة المسلمين في فرنسا بالإسلام السياسي، التي شاع منها رقم 38% “يوافقون كلياً أو جزئياً مواقف الإسلاميين”، ثمّ استطلاع عن معاداة السامية في الجامعة بطلب من وزارة التعليم العالي، رفض رؤساء جامعات تعميمه وانتقدوه منهجياً وسياسياً. يُفهم من النقاش أن لغة الأسئلة، وحجم العينة، وطريقة الجمع (هاتفي/عبر الإنترنت)، كلها عناصر تغيّر وجه النتائج وقابليتها للتأويل، وأن تعريف المصطلحات المركزية (“إسلامي/تكفيري”، “راديكالي”) شرط لقراءة دقيقة لكنه نفسه مثار خلاف.
على المستوى المنهجي، تُذكَّر عقبة أساسية في الحالة الفرنسية: غياب إحصاءات رسمية شاملة عن الانتماء الديني منذ عقود، ما يدفع المعاهد إلى العمل بعينات مُستخرَجة من مسوح عامة أو عبر الهاتف لتغطية فئات تُعدّ أقل حضوراً في اللوحات الإلكترونية. ويُقدَّم ذلك كحلّ تعويضي لا يخلو من “هشاشة بنيوية” تستوجب حذراً شديداً في تفسير النتائج، خاصة حين تُقارن سلاسل زمنية تختلف فيها الأسئلة والبيئات العيّنية (مثلاً استبدال “التكفيري/المنغلق” في تسعينيات القرن الماضي بـ“الإسلامي” اليوم).
يتوقف النقاش أيضاً عند ميل التغطيات السياسية والإعلامية إلى تحويل أرقام أولية إلى خلاصات كاسحة عن “تديّن متشدد متصاعد” أو “صِدام هوياتي وشيك”، مع التذكير بأن الصياغات من قبيل “كلّ أو بعض المواقف” تدمج حالات غير متجانسة في خانة واحدة، وبأن اختبارات المعرفة حول تيارات كـ“الوهابية” و“التبليغ” كشفت فجوات معرفية حتى بين طلبة علوم سياسية، ما يضاعف مخاطر سوء الفهم حين تُقرأ النتائج خارج سياقها.
وفي ما يخصّ الاستطلاع المتعلق بالجامعة، تُسجَّل أسباب الإغلاق: أسئلة دينية وسياسية حسّاسة، مخاطر إعادة التعريف، وشعور جزء من الهيئة الأكاديمية بانتهاك مبدأ الحياد؛ مع التأكيد أن إلغاء الأداة لا ينفي وجود الظاهرة المدروسة، بل يُحيل إلى الحاجة لتصميم أكثر اتساقاً يزاوج الكمي والكيفي ويقلّص إمكانات “تسييس” النتائج.
تخلص القراءة إلى أن قياس الظواهر الهوياتية والدينية ممكن ومفيد ديمقراطياً بشرطين متلازمين: صرامة منهجية تُعرّف المفاهيم وتُفصح عن حدود العيّنات وأوضاع الجمع، وحوكمة تواصلية تُبطئ تحويل المؤشرات إلى عناوين قطعية وتكبح التوظيف الدعائي. وبدون ذلك، يتحول الاستطلاع من أداة إضاءة إلى مادة قابلة للاشتعال في قضايا مشحونة أصلاً.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93366930/hl-tog-g-...