في قاعة صغيرة بكلية الآداب في فاس، ترفع طالبة في السنة الثانية يدها وتطرح على أستاذ الميتافيزيقا سؤالًا يتردّد كثيرون في قوله بصوت عالٍ: إذا كانت البيولوجيا تشرح الحياة، وعلوم الأعصاب تشرح الوعي، والفيزياء تشرح الكون، فماذا بقي لنا أن نفعله هنا؟ يبتسم الأستاذ ويعدها بالجواب في الحصّة المقبلة. وفي المساء، على شاشة هاتفها، تمرّ بمنشور ساخر يصوّر الفلاسفة أناسًا يجيبون عن أسئلة لم يطرحها أحد، بأدوات لا يملكها أحد. لا تعرف إن كان عليها أن تضحك، أم أن تقلق على التخصّص الذي اختارته.
هل تستطيع الفلسفة أن تنتج معرفة حقيقية عن العالم وهي جالسة على «كرسي التأمّل»، بعيدًا عن المختبر والملاحظة؟ أم أن كل سؤال فلسفي جادّ يحمل في داخله بُعدًا تجريبيًا لا يُحسَم من دونه؟
الفكرة: لا حدّ قاطعًا بين المفهوم والواقععاد الفيلسوف والتر فايت، المحاضر في جامعة ريدينغ البريطانية، إلى هذا السؤال في مقال نشره على مدوّنته «العلم والفلسفة» في موقع Psychology Today، منطلقًا من جواب صادم لأستاذه السابق، الفيلسوف الأسترالي كيم ستيرلني، أحد أبرز المشتغلين بفلسفة البيولوجيا. ففي حوار نشرته سنة 2022 مجلة طلاب الفلسفة الجامعيين في أستراليا ونيوزيلندا (UPJA)، سُئل ستيرلني عن أكثر مواقفه إثارة للجدل، فأجاب بأنه يرى معظم الفلسفة القَبْلية مضيعة كاملة للوقت، وضرب مثلًا بالأبحاث الميتافيزيقية في «التأسيس»، قائلًا إنها لا تفعل سوى قطع الأشجار بلا سبب وجيه، وبعبارات أشدّ حدّة مما يحتمله النشر.
والفلسفة القَبْلية (a priori) هي التي تدّعي بلوغ الحقيقة بالتحليل العقلي وحده، سابقًا على التجربة ومستقلًا عنها، في مقابل المعرفة البَعْدية أو التجريبية التي تمرّ عبر الملاحظة. أما «التأسيس» (grounding) فمبحث في الميتافيزيقا التحليلية المعاصرة يسأل عن العلاقة التي تجعل واقعةً ما قائمة «بفضل» واقعة أعمق منها، من غير أن تكون العلاقة بينهما سببية.
ولا يكتفي ستيرلني بالعبارة الصادمة. فحجّته أن التقسيم المألوف للعمل، الذي تفحص بموجبه الفلسفة البنى المفهومية بالعقل المحض، وتتولّى العلوم فحص العالم لتقول ما يطابق تلك البنى، تقسيم لا يصمد. ويضرب مثلًا من البيولوجيا: يبدو سؤال «ما الجين؟» مفهوميًا، ويبدو سؤال «ما الذي يُعدّ نوعًا حيًّا؟» تجريبيًا، لكن لا أحد يستطيع تحديد أنفع مفهوم للنوع من غير أن يفكّر في العالم الحيّ نفسه وفي الظواهر التي يريد تفسيرها. بل إن سؤال «ما المعرفة؟»، وأسئلة العقل والإدراك والوعي، كلها في نظره ذات بُعد تجريبي.
ويوافقه فايت ويذهب أبعد: فمن يمارس الفلسفة القَبْلية بمعزل عن العلم، في رأيه، لا يضيّع وقته فحسب، بل ينتج «فلسفة زائفة» تسيء إلى سمعة الفلسفة نفسها. ويضع موقفه في التقليد الذي أطلقه الفيلسوف الأمريكي ويلارد فان أورمان كواين (1908-2000)، الذي شكّك في وجود فاصل حاسم بين الحقائق «التحليلية» الصادقة بمعانيها وحقائق الواقع. ويستعير فايت صورة شهيرة للفيلسوف النمساوي أوتو نويراث: نحن كبحّارة يصلحون سفينتهم في عرض البحر، لا رصيف لديهم يفكّكونها عليه ثم يعيدون بناءها من الصفر. لا يوجد أساس مستقل نحاكم منه العلم من خارجه، ولذلك يدعو فايت إلى أن يعود العلم والفلسفة حقلًا واحدًا، كما كانا يومًا تحت اسم «الفلسفة الطبيعية».
للموقف المقابل حججه أيضًا. أولاها أن الرياضيات والمنطق معرفة قَبْلية بامتياز، ولم يقل أحد إن مبرهنة فيثاغورس مضيعة للوقت لأنها لم تُختبر في مختبر، بل إن العلوم التجريبية نفسها تقوم عليهما. وثانيتها أن جزءًا كبيرًا من الفلسفة معياري لا وصفي: قد تخبرنا البيانات بما يفعله الناس، لكنها لا تخبرنا وحدها بما ينبغي أن يفعلوه، وهي المسافة التي نبّه إليها ديفيد هيوم بين «ما هو كائن» و«ما يجب أن يكون». أما المدافعون عن مبحث التأسيس، من أمثال كيت فاين وجوناثان شافر، فيرون أن توضيح مفاهيم يستعملها العلماء دون تدقيق، كالتبعية والتفسير والقانون، عمل لا يقلّ أهمية عن جمع البيانات.
ثم إن موقف ستيرلني نفسه أدقّ من شعاره: فهو يتحدّث عن «معظم» الفلسفة القَبْلية لا عنها كلّها، ويقرّ في الحوار ذاته بأن العلماء يمارسون الفلسفة، ولا سيما نظرية المعرفة، طوال الوقت، كلّما فحصوا أدواتهم وصمّموا تجاربهم. فالسؤال الحقيقي ربما ليس «هل نحتاج إلى التأمّل؟»، بل «أيّ تأمّل يستحق وقتنا؟».
ليس هذا الجدل غريبًا عن تراثنا. فقد خصّص ابن خلدون في «المقدّمة» فصلًا بعنوان «في إبطال الفلسفة وفساد منتحليها»، انتقد فيه دعوى الفلاسفة إدراك ما وراء الحسّ بالبرهان العقلي وحده، مع إقراره بنفع المنطق في تشحيذ الذهن. وقبله رأى الغزالي في «المنقذ من الضلال» أن الرياضيات والمنطق لا يتعلّق بهما نفي ولا إثبات في أمور الدين، وأن أكثر أغلاط الفلاسفة إنما وقعت في الإلهيات. وفي الجهة الأخرى جعل ابن الهيثم «الاعتبار»، أي الاختبار المنضبط، ميزانًا يحاكم به أقوال القدماء، حتى بطليموس نفسه. غير أن دوافع هؤلاء كانت مختلفة: فنقد ابن خلدون والغزالي صدر عن همّ ديني ومعرفي في سياقه التاريخي، لا عن نزعة طبيعانية بالمعنى المعاصر، ومن التبسيط أن نجعلهما سلفًا مباشرًا لستيرلني.
وفي الجامعة المغربية خاض محمد عابد الجابري مبكرًا في هذه الأسئلة، فخصّص كتابه «مدخل إلى فلسفة العلوم» (1976) لتاريخ العقلانية العلمية وتطوّرها. ومع ذلك ما زالت كليات الآداب وكليات العلوم في كثير من جامعاتنا عالمين منفصلين: طالب الفلسفة نادرًا ما يدرس البيولوجيا، وطالب البيولوجيا نادرًا ما يقرأ فلسفة العلم. ولعلّ هذا الفصل الإداري هو الصورة المؤسسية لتقسيم العمل الذي يرفضه ستيرلني.
ربما لا يكون الجواب الذي تنتظره طالبة فاس أن الفلسفة ماتت، ولا أنها فوق العلم، بل أنها تكون في أحسن حالاتها كلّما نزلت من برجها لتصلح السفينة مع الآخرين. وهو درس يتكرّر كلّما اختلط المفهوم بالرقم، كما في الجدل حول ما تعنيه «نسبة الوراثة». ويبقى سؤال لكل واحد منا: الأفكار الكبرى التي نردّدها عن الحرية والعقل والطبيعة البشرية، كم منها فحصناه في ضوء ما نعرفه عن العالم، وكم منها ورثناه جاهزًا ولم نجرؤ على مساءلته؟
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98553734/hal...